للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

يؤذيها به، فكل شيء يهون إلا الشرف، وكل شيء يحتمل إلا ما يخدش العِرْض، وكانت قد مرضت عقب وصلها إلى المدينة، فلم يشأ أن يزيدها آلاماً على آلام المرض، ولكنه كان في نفسه شيء من تصرفها الذي مَكَّنَ ذلك الرجل من ذلك الإفك، وكان عليها عند خروجها لالتماس عقدها أن تترك خبراً بذلك في الجيش، حتى ينتظر رجوعها ولا يسير ويتركها وحدها، فرابها من النبي صلى الله عليه وسلم أنها لم تر منه اللطف الذي كانت تراه منه حين تمرض، وإنما كان يدخل عليها وعندها أمها تُمرِّضها فيسلم ثم يقول: كيف تيكم. لا يزيد على ذلك شيئاً، ثم ينصرف ولا يمكث عندها

ولم يزل هذا حاله معها إلى أن خرجت بعد ما نقهت، فخرجت معها أم مسطح بن أثاثة، وهي بنت خالة أبي بكر، وكان أبنها مسطح يتيماً في حجر أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه لأنه كان فقيراً، وقد سارتا حتى وصلتا إلى المنْصَعِ، وهو محل متسع كانت النساء يخرجن بالليل للتبرز فيه، فلما فرغتا من شأنهما وأقبلتا عثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقالت عائشة لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً! قالت: يا هَنْتَاهُ أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: وما قال؟ فأخبرتها بقول أهل الإفك

فخرت عائشة مغشياً عليها حين أخبرتها بذلك، وازدادت مرضاً على مرضها، وأخذتها حُمَّى نافضة، ثم رجعت إلى بيتها ومكثت ليلتها حتى أصبحت، لا يرقأ لها دمع، ولا تكتحل بنوم، ثم أصبحت تبكي، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقالت له: أتأذن لي أن آتي بيت أبَوَيَّ. وهي تريد بهذا أن تتثبت من ذلك الخبر، فأذن لها في ذلك وأرسل معها غلاماً من الغلمان، وكان قد مضى إذ ذاك بضع وعشرون ليلة على قول أهل الإفك، فقالت لأمها: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به، لا تذكرين لي من ذلك شيئا! فقالت لها أمها: هَوَّني عليك الشأن، فوالله لَقَلّما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كّثَّرْنَ وكَثَّرَ الناس عليها. فقالت عائشة: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا، وعلم به أبي، وعلم به رسول الله. قالت: نعم. فاستعبرت وبكت ومكثت ليلتان لا يرقأ لها دمع، ولا تكتحل بنوم، وكانت تبكي وأبواها يبكيان، وأهل الدار يبكون، وبينما هم على ذلك دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم جلس، ولم يكن قد جلس عندها منذ قيل ما قيل، وقد لبث على ذلك شهراً لا يوحي إليه في شأنها

<<  <  ج:
ص:  >  >>