للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

فيا رب لا تشمت بنا حاسداً لنا ... نراقبه من أهل فوز ولا أهلي

وأما حوادثه مع بعض النسوة اللاتي كن يضايقنه وما لهن غرض غير تعذيبه فكثيرة جدا وظريفة إلى حد بعيد، وربما بلغ به الوجد في بعض الأحايين أن يستعدي عليها أهلها، وما عرفنا شاعراً صنع قبله ذلك ولا قال:

أيا أهل فوز ألا تسمعون ألا ... تنظرون إلى ما لقينا؟!

ألا تعجبون لفوز التي؟! ... تميل وتصغي إلى الكاشحينا

قد عجب الناس من أمرنا ... وأنساهم قصص الأولينا

وصرنا حديثا لمن بعدنا ... يحدث عنه القرون القرونا

وقوله هذا يذكرني ببعض أبيات لشاعر شاب جنّ في هواه فأسموه (مجنون بهية) أذكر منها:

شكتني بالأمس إلى أمها ... ما أعظم الخطب وما أسهله!

يا أمها لا تسمعي قولها ... فحبها للقلب قد زلزله

كوني شفيعي في الهوى عندها ... فأنت لي سيدة مفضله

ولعل هذا الشاب المسكين - وقد قرأت شعره كله - قد ارتبط بما ارتبط به شاعرنا من حوادث وآلام، فإني قد رأيت في شعره صوراً من صور العباس بن الأحنف، ولو كنت ممن يؤمنون بتناسخ الأرواح لم أشك في أن روح إبن الأحنف قد حلت في هذا الشاب المسكين. أقول هذا لأضرب مثلا على أن الكثيرين من الذين صدقوا في هواهم قد اتصلوا اتصالاً مباشراً بروح شاعرنا الظريفة

دون هذا الشاعر حوادثه في شعره إلى جانب تصوير عواطفه فأصبح ديوانه مجموعة فريدة من أخبار ظريفة محببة إلى النفس وعواطف صادقة لم تشبها شائبة من التكلف والصنعة، فأي لوعة أصدق من هذه اللوعة؟!

أتذهب نفسي لم أقل منك نائلاً ... ولم أتعلل منك يوماً بموعد؟!

فإن جاء مني بعض ما تكرهينه ... فعن خطأ والله لا عن تعمّد

وقوله:

صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق

<<  <  ج:
ص:  >  >>