للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

القارئ، وتطيلان تعجبه من تلك الإحاطة. وتشاكل الأولى في الاستقصاء رسالة أبي العلاء في تعزية خاله ابن سبيكة بأخيه. وتشبه الثانية رسالة ابن زيدون إلى ابن عبدوس الملقب بالفار؛ وهذه مشهورة، شرحها ابن نباتة المصري. والظن بل اليقين أن ابن زيدون قد وقف على رسالة الخوارزمي وقلدها واقتبس منها. ورسالة الأول أطول وأكثر تشعباً، ورسالة الثاني أقصر، والمقصد في الرسالتين واحد، وهو التقريع والتهكم. وهذه الإغارة - وسمها معارضة - لا تنقص شيئاً من مقدار ابن زيدون الشاعر الساحر والناثر القادر، و (الذي رزق السعادة في سعة العبارة) كما قال صاحب (الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم)

أوردُ من رسالة أبي بكر إلى جماعة الشيعة بنيسابور هذه القطعة نموذجاً، وهي العقيدة، وهي الخصومة، وهو الخوارزمي الداهية يلغو (يتكلم) كما يهوى:

(. . . وقل في بني العباس فأنك ستجد بحمد الله تعالى مقالاً، وجل في عجائبهم فإنك ترى ما شئت مجالاً. يجبى فيؤهم فيفرق على الديلمي والتركي، ويحمل إلى المغربي والفرغاني، ويموت إمام من أئمة الهدى وسيد من سادات بيت المصطفى فلا تتبع جنازته، ولا تجصص مقبرته. ويموت (. . .) لهم أو لاعب، أو مسخرة أو ضارب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم فيهم من يعرفونه دهرياً أو سوفسطائياً، ولا يتعرضون لمن يدرس كتاباً فلسفياً أو مانوياً، ويقتلون من عرفوه شيعياً، ويسفكون دم من سمى ابنه علياً).

ثم يَعلق الخوارزمي يقول. . . ويجول. . .

أخبرني العلامة الأستاذ أمير البيان الأمير شكيب أرسلان أنه كان ينوي شرح هذه الرسالة. وقد ثناه عما نواه أن الشرح يشيّع ناراً أشعلتها المذاهب والمقالات، ويزيد (الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً) تفريقاً، ويظَّلم كباراً لم يكونوا ظالمين، وكانوا خير مظاهرين لشائد هذا المجد. والأمير شكيب يستظهر رسائل الخوارزمي كلها، ذكر ذلك في إحدى مقالاته في جريدة (المؤيد) يوم سأله أحد الأدباء كيف وصل في الكتابة والأدب إلى هذه المرتبة العليا.

وهذه نتف من رسالة الخوارزمي إلى البديهي:

(. . . كأنك لم تخلق إلا لتطمس عين النور، وتقلب أعيان الأمور، وتعكس البدعة سنة حتى كأن سوفسطا استخلفك على جحد ما يدرك عياناً، ويعرف إيقاناً.

<<  <  ج:
ص:  >  >>