تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[مستقبل الأدب]

للأستاذ علي الطنطاوي

تزدحم المساجد قبيل الامتحان بجماعات الطلاب، يتحلقون فيها حلقاً، يطالعون ويقرءون، وقد مررت مرة بحلقة فيها نفر فهمت من كلامهم أنهم من طلبة العربية والأدب، في المدارس العالية، فقعدت قريباً منهم استمع إليهم، وكان واحد منهم يقرأ في كتاب، فما رأيته سلمت له خمسة أسطر متتابعات، وما مرّ على خمسة أسطر إلا رفع فيها منخفضاً، وخفض مرتفعاً، وحرف الكلم عن مواضعها، وأزالها عن منازلها، ولم يدع لغوياً ولا نحوياً ولا عالماً بالعربية من لَدُنْ أبي عمرو إلى الأشموني، إلا نبش قبره وبعثر عظمه، ولعن بجهله أباه وأمه، أما الطلاب الحاضرون فكان منهم من يتنبه للّحنة الظاهرة، ظهور البهتان في (القبس)، فيردّه عنها، ويغفل عن الخفية، وسائرهم في عمى عن ظاهرها وخفيها، ودقيقها وجليلها، فضاق صدري، حتى خفت أن يتفجر بغضبة للعربية، لا أدري ما عاقبتها فحملت نعلي وخرجت هارباً أسعى. . .

وذهبت فسألت المدرسين فعلمت أن هذا القارئ ليس بدعاً في الطلاب وليس المتفرد في هذه (العبقرية) في الجهل، وهذا (التبريز. . .) فيه، وإنما هو النموذج الصادق لأكثر طلاب المدارس في هذه الأيام، واجتمعت بعد ذلك بكثير من طلاب المدارس العالية، فما كدت أجد في أكثرهم من يشبه أو يداني أصحابنا يوم كنا في أوائل الدراسة الثانوية، لا أقول هذا فخراً بأصحابنا، ولكن تذكرة لهؤلاء، وحثاً على الجد في طلب العلم، وبياناً لما هبطوا إليه، وما رضوه لأنفسهم من ترك العلم اعتماداً على شهادات ينالونها، أو كراسيّ يركبونها، أو وظائف يقبضونها، حتى صارت الشكوى من الضعف في العربية عامة في مصر والشام والعراق، وحتى صار من أبواب التسلية للأدباء، أن يفكروا في (تيسير. . .) تعلم العربية، بقلب قواعدها، وتنكيس أوضاعها، وابتداع البدع في نحوها وصرفها، أو بهدم بنيانها، وصرم نظامها، بـ (تسكين أواخر كلماتها)، و (ترك إعرابها)، أو بنفسها في أساسها، وقلعها من جذورها، باستعمال الحروف اللاتينية أولا، والكلمات اللاتينية ثانياً، وما لا يعرفه إلا الله ثالثاً. . . وما إلى شيء من ذلك حاجة، ولا له فائدة، وما باللغة تعسير حتى نبتغي لها أوجه التيسير، ولكنْ في العزائم خور، وفي الهمم ضعف، وفي الشباب

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير