للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

تعمل عملها الإنساني بالعقل القلب، وبأوسع النظرين دون أضيقهما (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا.)

فوثب ابن الأيمن، وأقبل يدور في المجلس مما دخله من طرب الحديث ويقول: ما هذا إلا كلام الملائكة سمعناه منك ياْبن عمران. قال مسلم: فكيف بك لو سمعته من أبي عبد الله؛ إنه والله قد حبب إلي السوداء القبيحة والدميمة، ونظرت لنفسي بخير النظرين، وقلت: إن تزوجتُ يوماً فما أبالي جمالاً ولا قبحاً، إنما أريد الإنسانية كاملة مني ومنها ومن أولادنا، والمرأة في كل امرأة، ولكن ليس العقل في كل امرأة.

قال: ثم إني رجعت إلى البصرة، وآثرت السكنى بها، وتعالم الناس إقبالي، وعلمت أنه لا يحسن بي المقام بغير زوجة، ولم يكن بها أجلّ قدراً من جد هذين الغلامين. وكانت له بنت قد عضلها وتعرض بذلك لعداوة خطابها، فقلت: ما لهذه البنت بد من شأن، ولو لم تكن اكمل النساء وأجملهن ما ضن بها أبوها رجاوة أن يأتيه من هو أعلى، فحدثتني نفسي بلقائه فيها، فجئته على خلوة. . .

فقطع عليه ابن أيمن وقال: قد علمنا خبرها من منظر هذين الغلامين، وإنما نريد من خبر تلك الدميمة التي تعشّقتها.

قال: مهلاً فستنتهي القصة إليها. ثم إني قلت: يا عم، أنا فلان بن فلان التاجر. قال: ما خفي عني محلك ومحل أبيك. فقلت: جئتك خاطباً لابنتك. قال: والله ما بي عنك رغبة، ولقد خطبها إلي جماعة من وجوه البصرة وما أجبتهم، وإني لكارهٌ من إخراجها عن حضني إلى من يقوّمها تقويم العبيد. فقلت: قد رفعها الله عن هذا الموضع، وأنا أسألك أن تدخلني في عددك، وتخلطني بشملك. فقال: ولابد من هذا؟ قلت: لابد. فقال: أُغد عليّ برجالك.

فانصرفت منه إلى ملأ من التجار ذوي أخطار، فسألتهم الحضور في غدٍ. فقالوا: هذا رجل قد ردّ من هو أثرى منك، وإنك لَتُحرّكنا إلى سعى ضائع. قلت لابد من ركوبكم معي. فركبوا على ثقة من أنه سيردهم.

فصاح ابن أيمن، وقد كادت روحه تخرج: فذهبْت فزوجك بالجميلة الرائعة أم هذين، فما خبر تلك الدميمة.

قال مسلم: يا سيدي قد صبرتَ إلى الآن، أفلا تصبر على كلمات تنبئك من أين يبدأ خبر

<<  <  ج:
ص:  >  >>