للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الدرامة في الأدب الإنجليزي]

المذهب الواقعي وفن الدرامة

بقلم محمد رشاد رشدي

تتمه

الدرامة الإنجليزية في عهد (دريدق)

من أهم ما يميز هذا العصر - منتصف وأواخر القرن السابع عشر - انتشار عادة غريبة، هي محاولة حل كل شيء في الوجود بواسطة العقل والتفكير؛ وقد كان (بوالو) على حق حينما قال: (إن ديكارت قد ذبح الشعر) - على أن هذه العادة نشأت نتيجة لحضارة هذا العصر التي كانت قائمة على أكتاف الطبقة الوسطى - ونحن لا نجد عصراً من عصور إنجلترا كان نصيب الفلاح فيه أقل مما كان في ذلك العصر؛ مع أن مادة الفن الغزيرة تأتى دائماً من الفلاح حيث يعيش الرجل جنباً إلى جنب مع الطبيعة، ويواجه صعابها وشؤونها كل ساعة وكل يوم فيتحايل على فهمها وإدراك أسرارها لا بالعلم والتفكير بل بالدين والفن

في هذا العصر لبست الدرامة ثوب النثر وأخذت (الكوميدية) تنقد عادات الناس وأحوالهم، فهي تارة ساخرة وتارة مهذبة ناصحة، وأخرى مستهترة متهتكة - على أن حوادثها وشخصياتها كانت كثيرة المطابقة للواقع، حتى أن بعض الكتاب كان يبنى قصصه بناء تاماً على حوادث شخصية وقعت له أو لمن يعرفهم - وإن كان ثمة شيء ينقص من واقعية هذه (الكوميدية) فهو أن الكاتب كان كثير الحضور والظهور في قصته - فهو يكاد يكون دائم الحديث على ألسنة أبطاله، إما ناصحاً أو متفكهاً أو ناقداً أو جاعلاً هؤلاء الأبطال الذين لا يمتون للشعر بسبب - وللحياة اليومية بكل سبب - يتحدثون بلغة هي أبعد ما تكون عن لغة الحديث العادية. أما (التراجيدية) فقد اتجهت اتجاهاً آخر كان فيه القضاء عليها، فباتت تصور عالماً كله بطولة وحب وشجاعة، وأضحى أبطالها آلات تتغنى بالفضيلة والطهر والمروءة في كلام موزون مقفى ثقيل على الأذن لا مرونة فيه ولا عبقرية؛ وإنما كان هذا التصوير الخاطئ للحياة رد فعل للجو الإباحي المستهتر الذي كان يعيش فيه شعراء العصر وطبقته العليا - كما كانت الفضيلة والبطولة مثل الفروسية الأعلى في القرون الوسطى -

<<  <  ج:
ص:  >  >>