للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قبل، وأي فرق بينك وبين عامة الناس الذين يضيقون بالجديد، لا لشيء إلاّ لأنهم لم يألفوه ولم يطيلوا عشرته.

إنّ في الشباب نزوعا إلى الفوز، وطموحا إلى الظفر، وتعجلا لأتساع الشهرة وبُعد الموت، وكل هذا طبيعي، وكل هذا مألوف لأنه يلائم فطرة الشباب وأخلاقهم. ولا تنكره عليهم. ولا تصرفهم عنه، فإنّي أخشى أن يفت ذلك في أعضادهم. وأن يضعف من نشاطهم، وأن يرد جذوتهم هذه الجميلة إلى الخمود. قال لقد كنّا شبابا كما كانوا. وكان لنا من رفاقنا في الأدب أساتذة قد سبقونا إلى الحياة وتقدمت بهم علينا السن، وأخذوا من التجارب العلمية والفنية بحظوظ لم نأخذ بمثلها. فما حسدناهم وما أنكرناهم، ولا جاهدناهم ولا قصدنا إلى المكر بهم والكيد لهم، وإنما كنّا نقفوا آثارهم ونسمع لنصائحهم ونستعذب أحاديثهم، ولعلنا كنّا نحس ما بينهم وبيننا من خلاف، فلم يكن ذلك يغرينا بهم، ولا بصرفنا عنهم، وإنك لتذكرين كم كنّا نستعذب أحاديث حفني ناصف، وكم كنّا نحرص على أن نروي عنه كل ما كان يحدثنا به من هزل القول وجدّه. وإنك لتذكرين إنّا كنّا ننصرف عنه بعد الجلسة الطويلة معجبين به محبين له، ثم لا نلبث أن نستعيد ما سمعنا منه فننكر بعضه ونعرف بعضه الآخر، ولا يمنعنا ذلك من أن نتعجّل عودته إلى القاهرة آخر الأسبوع لنلقاه ونسمع منه ونتحدّث إليه. وما خطر لك ولا خطر لي ولا خطر لواحد من أصحابنا أن ينكر حفني ناصف لأنّه كان شيخا ولأننا كنا من الشبّان، أو يلوم حفني ناصف، لأنه سبقنا إلى الحياة والإنتاج، فسبقنا إلى الشهرة وبعد الصوت، إنّما كنّا نستعينه على أن نكون خيراً منه، وكان يعيننا على ذلك راضيا به مبتسما له راغبا فيه. قالت: فإنّي أحب لكم معشر الشيوخ أن تكونوا كحفني ناصف وأمثاله من أساتذتكم، لا تضيقون بأبنائكم إن ثاروا أو تمرّدوا أو لعبت برؤوسهم نزوات الشباب. هنا قال صاحبها في شيء من الغضب الضاحك: ومن زعم لك إنّي شيخ، هذا شيء لا أقرّه ولا أرضاه. قالت وهي مغرقة في الضحك، وما يعنيني أن تقرّه أو لا تقرّه، وإن ترضاه أو لا ترضاه، فأنت شيخ سواء أردت أم لم ترد. ألست قد أنفقت أكثر من ربع قرن تنشئ الرسائل وتنشر الفصول وتذيع الكتب؟ أليس قد اختلف إليك أجيال من الشباب فقرءوا ما كتبت، وسمعوا لما قلت، وتأثروا بهذا وذاك. فمنهم من ذهب مذهبك، ومنهم من ذهب مذهب فلان أو فلان من أصحابك. فكن شيخا أو لا تكن، فأنت أب على

<<  <  ج:
ص:  >  >>