للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في حالٍ من الأحوال، وليس في الآية ما يقتضي ذلك، لأن النظر ليس هو بمعنى الرؤية. هذا هو الجواب عنه إذا تعلقوا به على هذا الوجه.

فأمَّا إذا استدلُّوا به ابتداءً، فالجواب عليه أن يقال لهم: ما وجه الاستدلال بهذه الآية؟

فإن قالوا: إنه تعالى بيَّن أن الوجوه يوم القيامة تنظر إليه والنظر هو معنى الرؤية.

قلنا: لا نسلِّم أن النظر بمعنى الرؤية، فما دليلُكم على ذلك؟ فلا يجدون إلى ذلك سبيلاً. ثم يقال لهم: كيف يصح أن يكون النظر بمعنى الرؤية؟ ومعلومٌ أنهم يقولون: نظرت إلى الهلال، فلم أره، فلو كان أحدهما هو الآخر، لتناقض الكلام، وتنزَّل منزلة قول القائل: رأيتُ الهلال، وما رأيتُ، وذلك متناقضٌ (١) فاسدٌ.

وبعد: فإنَّهم يجعلون الرُّؤية غايةً للنظر، فيقولون: نظرتُ حتى رأيت. فلو كان أحدهما هو الآخر، لكان بمنزلة أن يُجعَلَ الشيء غايةً لنفسه، وذلك لا يجوز، ولذلك لا يجوز أن يُقال: رأيت حتى رأيت.

وبعد: فإنهم يُعْقِبُونَ النظر بالرؤية، فيقولون: نظرت فرأيت، فلو كان أحدهما هو الآخر، لكان في ذلك تعقيبُ الشيء بنفسه، ويُنزل (٢) منزلة قولك: رأيت فرأيت، وهذا لا يستقيم.

وبعد: فإنهم يُنَوِّعُون النظر، فيقولون. نظرتُ نَظَرَ (٣) راضٍ، ونظرت نظر غضبان، ونظرت نظر شزْرٍ. وعلى هذا قول (٤) الشاعر:

نظروا إليكَ بأعيُنٍ مُزْورَّةٍ ... نَظَرَ التُّيوسِ إلى شِفَارٍ الجَازِرِ


(١) في (ج) و" شرح الأصول ": مناقض.
(٢) في (ب): تنزل.
(٣) في (د): نظرة.
(٤) في (ب) و (ج) و (د): قال.

<<  <  ج: ص:  >  >>