للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والمقدمات غيرُ مقصودة في أنفسها، وأن من علم عدم تمام أمرٍ لم يشرع في (١) مقدماته، ولا يشتغل بمبادئه وإن فعل ذلك مع علمه ببطلانِ مقصوده في العاقبة عُدَّ عابثاً، بل وجوب ذلك ممتنع عقلاً وشرعاً وإجماعاً عند (٢) العقلاء كما يأتي في مسألة الدواعي بيانه، فكيف بمَنْ علم أن مقصوده في العاقبة منعكس عليه.

ويكفيك وضوحاً في بطلان قول المعتزلة في هذه المسألة أنه يستلزم أن الله تعالى عَمِلَ بغير علمه، بل عمل على ما يُضادُّ العمل بعلمه.

وقد أجمع أهل العلم والعقل على ذم العمل بغير العلم، وعلى أن ثمرة العلم وسبب شَرَفِه وفضله هو العمل به، ولا سيما العلمُ بالعواقب، وما يتمُّ من المراد منها، وما لا يتم.

وقد عبَّر الحكماء عن ذلك بقولهم: إن أول الفكرة آخرُ العمل، وبقولهم: إنَّ الخير هو المقصود الأول في فعل كل حكيم. وهذا هو المراد لنفسه، والشر لا يكون في فعل الحكيم إلاَّ وسيلةً إلى غيره كالحجامة وسيلة إلى العافية، والعافية هي المقصود الأول المراد لذاته، والحجامة وهي الشرُّ هي المقصود الثاني المراد لغيره، أي للخير، ولا يدخُلُ الشرُّ المحضُ في فعل الحكيم، ولا يريده لنفسه ألبتة.

فوضَحَ بهذا أن المعتزلة حافظوا على رعايةِ التحسين العقلي حين أخلُّوا بصفة القدرة الربانية، وتأوَّلوا آيات المشيئة القرآنية، وانعكس عليهم مقصودهم في رعاية التحسين العقلي بالكلية مع سوء ما ارتكبوا في التوصل إليه من توهين (٣) القدرة والمشيئة.

فما أقبح ما توصَّلوا به، وما أفسد ما انتهوا إليه، وأقبح من هذا قول من نفي


(١) من قوله: " والمقدمات " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): من.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: تهوين.

<<  <  ج: ص:  >  >>