للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والسيِّد -أيَّده الله- قد رقيَ إلى مرتبة الدعاء إلى الله -تعالى- بالحكمة والموعظةِ الحسنة، فلهذا عِبْتُ عليه ما خالفَ طرائق الفضلاء، وباينَ عادات العلماء، وإلا فلي مُدَّةٌ طويلة صابر (١) على الأذى والفُحْش، الذي يتَنَزَّه -أيَّده الله- عن سماعه، دع عنك النُّطْقَ به. فلم أتكلم إلى أولئكَ، ولم أجاوبْهم بشيء؛ علماً بما في الإعراض عن الجاهلين مِن خير الدنيا والآخرة، مع التمكن مِن المجازاة في الأقوال، والمجازاة في الأفعال، لكني آثرتُ الحِلْمَ، وصبرت على الظُّلْم، وجعلت الصبرَ والكَظْمَ مكانَ النثر والنظم. فأما السيِّد -أيَّده الله- فلم أعُدَّه من الجاهلين فَأعرِضَ عنه، بل عَدَدْتُهُ من أهل الذكر، فرغِبْتُ في الجواب عليه، وبسطت إلى التصدير بما عينتُهُ إليه.

التنبيه الخامس: فرعٌ مِن فروعِ الشَّجرة النبوية، وغُصْنٌ مِن أفنان الدَّوحةِ العَلَوِيَّةِ، وَنَشءٌ مِن أهل البيت -عليهم السلام- ومِن أولاد العِترة (٢) الكِرام، ومِن أهل الذكر وبيوت العلم، تشَوَّفَ إلى الاجتهاد في العلم، وتشوَّقَ إلى مراتب الفضل، فلمَّا شِمتم بارقة جهدِهِ صَيِّبة، وَشَمِمْتُم رائحةَ سعيه طَيِّبَة، وتوسمتُم فيه للفائدة سِماتٍ، وحسِبْتُم أنَّهُ قارَب وهيهات؛ تواترت عليه الرسائل، وتواردت عليه الدلائِلُ، تُفتِّرُهُ عن عمله، وتقنِّطُه مِنْ أمَلِهِ: مَن قد سَبَقكم إلى هذا -من الأئمة الهادين-، أو العلماء الراشدين؟! وإنما بَلَغَنا أنَّ أهل العلم يفرحون بِمَن عَلَتْ هِمَّتُهُ، وَظَهرت فِطْنَتُهُ، وُيرَغِّبُونَهم بأنواع الترغيب، ويجعلون التصويبَ لهم مكانَ التثريب. وانظر أيَّدَكَ اللهُ في سِيرة الإمام " المنصور بالله " -عليه السلام-


(١) في أ: صابراً.
(٢) العِترة بكسر العين: نسل الرجل ورهطه وعشيرته.

<<  <  ج: ص:  >  >>