للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَبِعَكَ} [ص: ٨٥] فقوله: " منك " نص فيه، والخبر فيه خاصة أظهر من الوعيد بقرينة إجماع المسلمين على أنه لا تُرجى له توبة.

فأمَّا مذهب المعتزلة، فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك فيه، ولا يلزم منه تكليف ما لا يُطاق، لأنه إنما يلزم على تقدير أن يؤمن من أخبر الله أنه لا يؤمن، وذلك غيرُ واقعٍ قطعاً، ولا فرق بين التزام ذلك للمُحال، والتزام مخالفه علم الله تعالى لذلك، فكما أن علم الله لم يستلزم انقلاب الممكن لذاته مُحالاً، فكذلك خبره.

وهذه المسألة هي المعروفة بالممتنع لغيره، ولا خلاف بين الأشعرية والمعتزلة في جواز ورود التكليف، وإنما اختلفوا في جواز التكليف بالممتنع لذاته، كما سيأتي بيانه ولا حجة بالممتنع لغيره على الممتنع لذاته (١)، لأنه لو خرج بذلك عن كونه مقدوراً أوجب خروج الرب سبحانه عن صفة القدرة لِسَبْقِ علمه تعالى بما هو خالقٌ وبما ليس هو خالقاً (٢)، وقد قال تعالى: {كَانَ عَلَى ربِّك حَتْماً مَقْضِيّاً} [مريم: ٧١] ولم يخرُج عن القدرة على خلاف ذلك. وهذا عارض، ولنرجع إلى المسألة المقصودة.

فعلى هذا يمتنع في مذهبهم إخبار الله للمكلفين بذلك لعدم الابتلاء، ولأنه عندهم مفسدة، والمفسدة قبيحةٌ، ولأنه يؤدي إلى إفحام الرسل بالإيمان لاستلزامه (٣) حينئذٍ تكذيبهم، ويستلزم بطلان الترهيب والترغيب ومحو آثار الحكمة فيهما.

فإن قالوا: إنه عمومٌ يجوزُ تخصيصه فيبقى الابتلاء.


(١) قوله: " على الممتنع لذاته " ساقط من (أ).
(٢) في (أ) و (ش): " خالق "، وهو خطأ.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: لا يستلزمه.

<<  <  ج: ص:  >  >>