للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الأنعام: ١٤٩]، وقال في جواب الثانية: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا} [الأنعام: ٢٨]، وساوى في آية (الزمر) في الجواب بينهما، فجاء بأمرٍ يَعُمُّهُما لما كان معناهما الأخص مفترقاً، فقال تعالى: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الزمر: ٥٩].

وهذا مثل قوله: {فَهَلْ على الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبينُ} [النحل: ٣٥]، وبلاغ الرسل ومجيءُ الكتب مع خلق العقول والقدرة هو المُعَبَّرُ عنه بالهدى في قوله: {وأمَّا ثَمودُ فهَدَيناهُم} [فصلت: ١٧] وهو الهدى العام، وفيه إبلاغ العذر كما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا أحد أحبُّ إليه العُذْرُ مِنَ الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب " (١)، وما زاد على ذلك من الهدى، فإنه فضلُ الله يؤتيه من يشاء بمنةٍ وفضلٍ، ويصرِفُه عمن يشاء بحكمةٍ وعدلٍ (٢).

ألا ترى إلى قوله تعالى في آخر هذه السورة: {وقال لَهُمْ خَزَنَتُها} [الزمر: ٧١] الآية. وأما كذبهم على الله، فسوف يأتي بيانه قريباً في الآية الثالثة.

فبان بهذا أن الله عزَّ وجلَّ ما ذمَّهم على الإقرار بما لم يزل يتمدح به من نفوذ (٣) مشيئته، وكمال قدرته، وعظيم عِزَّتِه، وإنما ذمهم على ظنهم ما ظنت المعتزلة من لزوم بطلان حجة الله على عباده بذلك، ومن استنتاجِ الباطل من الحق، والكذب من الصدق.

وقد تقدم في مسألة الإرادة أن نفوذ مشيئة الله من ضرورة الدين، فكيف يكذب به لاحتجاج المشركين به؟ ولو كان أهل الباطل كلما احتجو بحقٍّ كذَّبناه لتَيَسَّرَ لأعداء الإسلام تَعفية رسومِه بأيسرِ شُبهةٍ، وبلغوا أقصى مرامهم فيه من غير كُلفةٍ.


(١) تقدم تخريجه في ٥/ ٥٨ من حديث المغيرة بن شعبة وبعض روايات عبد الله بن مسعود.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (ش): تفرد.

<<  <  ج: ص:  >  >>