للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نفي الإيمان عمن قصَّر عن هذه المرتبة على القول بأن لفظ " إنما " يفيد الحصر، وفي ذلك خلافٌ بين أهل العلم، والجمهور على أنها تفيد الحصر، ومعناه إثبات المذكور بعدها ونفيُ ما عداه.

ومما احتجوا به على ذلك فهم ابن عباس له من حديث: " لا ربا إلاَّ في النسيئة " (١) وأن الصحابة لم يعترضوه في فهمه، وإنما احتجوا عليه بأحاديث أُخَرَ، هي أصرح من حديثه وأقوى، وأنصُّ على ثبوت (٢) الربا في غير النسيئة، فكان المصير إليها أولى من الترجيح، وإذا تقرر هذا، فقد يفهم منها الحصر مطلقاً، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الأعمال بالنيات " (٣) على الصحيح في تفسير النية بإخلاص العمل لله في العبادات وسائر الشرعيات من شائبة الرِّياء، أو فعله لوجه حُسْنِه في غيرها.

أما إذا فسَّرناه بالإرادة المقارنة المُؤَثِّرة في وقوعه على بعض الوجوه، خرج من ذلك ما ليس بعبادةٍ، كقضاءِ الدَّيْنِ، وغَسْلِ النجاسات، ونحو ذلك.

وقد يُفهَمُ منها حصرٌ مخصوصٌ، فيدخل فيها نوعٌ من التجوز، وهو كثيرٌ، كقوله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {إنما أنت مُنْذِرٌ} [الرعد: ٧]، فظاهره الحصرُ له - صلى الله عليه وسلم - في النذارة، وليس كذلك، فإنه عليه السلام لا تنحصر أوصافه الحميدة في ذلك، فإن البشارة من أوصافه بنصِّ القرآن كالنذارة، والشفاعة من أوصافه بالنصوص والإجماع، ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصرَه في النذارة فقط لمن لا يُؤمن، ونفي كونه قادراً على ما يقترحه الكُفَّار من الآيات، فيفهَمُ الخصوص في الحصر بعد " إنما " على حسب القرائن. ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ " (٤)، فإنه إنما حصر نفسه وصِفاته البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيءٍ.

وقد يكون الحصر من باب التغليب للأكثر، كقوله تعالى: {إنما الحياة


(١) تقدم تخريجه ١/ ٢٩٥ و٢/ ٦٦.
(٢) " ثبوت " ساقطة من (ف).
(٣) تقدم تخريجه في الجزء السابع.
(٤) تقدم تخريجه في الجزء الرابع.

<<  <  ج: ص:  >  >>