للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بعيدة، وتعلُّقات نائية، ولهذا يُسمَّى الرجل لابِناً وتامِراً: إذا كان ذا تَمْرٍ وَلَبَنٍ (١).

قال الخُطيْئة:

وَغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنـ ... ـكَ لَابِنٌ في الصَّيْفِ تَامِرْ (٢)

فلم يلزم أنَّ هذا الاشتقاقَ غيرُ صحيح، لأنَّه إذا سرق التمر، أو اغتُصِبَ اللبنُ، فقد سُرِقَ اسمُ الفاعل، واغتُصِبَ، وأُخِذَ الاشتقاقُ، ونُهِبَ، فلما لم يلزم ذلك في لغة العرب عندَ جميعِ أهلِ الأدب، فكذلك في مسألتنا يَصِحُّ أن يكونَ الرجلُ عالماً مجتهداً وعلى الحفظ والكتب معتمداً، إذ لا يُوجَدُ مَنْ يَعْتَمِدُ على أحدهما سرمداً، ولا مَنْ لا حظَّ له في أحدهما أبداً. ولا يلزم أن يُسرق علمه، ولا يَصِحُّ أن يغتصب اجتهادُه، وكذلك يُسمَّى زيدٌ مدنياً وعمرو يمنيّاً، ولا يلزمُ زيداً إذا خَرِبَتِ المدينةُ أن تَخْرَبَ تسميتُه، ولا يلزمُ عمراً إذا خُسِف باليمن أن تُخْسَفَ نسبته.


(١) قال صاحب " المفصل " ٦/ ١٣: وقد يبنى على فعَّال وفاعل ما فيه معنى النسب من غير إلحاق اليائين، كقولهم: بتَّات وعوَّاج، وثوَّاب، وجمَّال، ولابن وتامر ودارع، والفرقُ بينهما أن " فعَّالاً " لذي صنعة يزاولها ويديمها، وعليه أسماء المحترفين، و" فاعل " لمن يلابس الشيء في الجملة.
(٢) البيت من قصيدة في هجو الزِّبْرقان بن بدر مطلعها:
شاقتك أظعانٌ لليـ ... ـلى يومَ ناظرة بواكر
وهو في ديوانه ١٧، وسيبويه ٣/ ٣٨١، و" المقتضب " ٣/ ١٦١، و" الخصائص " ٣/ ٢٨٢، وابن يعيش ٦/ ١٣، والأشموني ٤/ ٤٠٠، واللسان: لبن.
وُيحكى أن الأصمعي صحف قول الحطيئة هذا فأنشده ... لاتني بالضيف تامُر، أي: تأمر بإنزاله وإكرامه، قال ابن جني: وتبعد هذه الحكاية في نفسي لفضل الأصمعي وعلوه، غير أني رأيتُ أصحابَنا على القديم يسندونها إليه، ويحملونها عليه.

<<  <  ج: ص:  >  >>