للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإنما قلنا: إنَّه أراد ذلك، لأنَّه جعله قسماً غيرَ المتواتر، وهذا يُشبِهُ كلامَ المنصور بالله في مسألتنا، وهو قوي عند جماعة، لأنَّه يلزم من تجويز ذلك استنادُ الأمة إلى حُجَّةٍ باطلة في نفس الأمر، والأمة معصومةٌ من الخطأ في نفس الأمر، فلهذا كان الإجماعُ حجة، وأما لو لم تكن معصومة إلا من الخطأ في الظاهر، فذلك لا يُوجبُ أن إجماعها حجة، لأن ذلك حكم المجتهد عند المعتزلةِ والشيعةِ غالباً متى وَفَّى الاجتهادَ حَقَّهُ، فكما إنَّه لا يكون قولُ المجتهد حجةً لكونه مصيباً، فكذلك كان يلزم أن لا يكون إِجماعُ الأمة حجةً لكونهم مصيبين.

فإن قلتَ: إنما يُقال: المجتهدُ مصيب لما أراد اللهُ منه.

قلت: وكذلك يلزمُ أن يقال: إِن أهل العصر إذا أجمعوا فإنما أصابوا مرادَ الله منهم، فثبت أن الفرقَ بينَ إصابةِ الأمة وإصابة المجتهد أنَّ المجتهدَ مصيب لما أراد الله منه في الظاهر، ويجوزُ أن يتعلَّق مرادُ الله من غيره بغير ما أراد منه لانكشاف أمرٍ خَفِيَ عليه، وبان لغيره، فلخفائه عليه لم يتَعَبَّدْ به، ولبيانه لغيره تَعَبَّدَ به. وأما الأمةُ، فإنها معصومة باطناً وظاهراً قطعاً بحيث نَعلم أنَّه ليس لله مرادٌ في خلاف قولها، بل نعلمُ أن خلافَ قولها حرام، ونعلم أنَّه لم يخفَ عليهم دليل بحيث إنَّه إذا ظهر لغيرهم تعبّد ذلك الغير بالعمل به، وقد احتج العلماء على (١) صحةِ أحاديثَ بتلقي الأُمَّةِ لها بالقبول (٢) بناءً منهم على ما ذكرت مِنْ عِصمة الأُمَّة عن تلقي الباطل في


(١) في (ب): في.
(٢) نقل الحافظ السيوطي في " تدريب الراوي " ص ٦٧ في التنبيه الخامس عند قوله: قال بعضهم: يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح قول ابن عبد البر في "الاستذكار" لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر " هو الطهور ماؤه ": وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح، لأن =

<<  <  ج: ص:  >  >>