للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أكيتانية، التي قاومت مقاومة واهية، فحاول المسلمون فتحها عنوة. وقد حاول الدوق أودو عبثاً أن يمنع تقدم عبد الرحمن وتوغله في أراضيه، فاشتبك معه في معركة حاسمة بالقرب من التقاء نهري الدوردوني Dordongne والجارون Garonne، مما أدى إلى انهزامه هزيمة قاصمة، انسحب على أثرها نحو الشمال. فدخل المسلمون عاصمته، وغنموا فيها غنائم هائلة، وعاقبوا كل من قاومهم من أهلها (٣٨). ثم تقدموا نحو اللوار يفتتحون كل ما وقع تحت أيديهم من المناطق التي تؤدي إلى مدينة تور Tours.

وعندما أدرك الدوق أودو استحالة صد الجيوش الإسلامية الفاتحة، اضطر إلى الاستنجاد بشارل مارتل حاجب ملك الدولة الميروفنجية، وطلب مصالحته لصد المسلمين، خاصة وأن هدف هؤلاء التالي كان الوصول إلى أراضي دولة الفرنجة ذاتها.

وقد أدرك شارل مارتل الخطر، فاستجاب إلى التماس أودو، وشرع في جمع الجند والفرسان من كل صوب، وبعث يستقدم الرجال من حدود الرين، فجاءه هؤلاء وكانوا من المحاربين الشماليين الأشداء الذين لا يقلون عن العرب والبربر شجاعة وقوة وصبراً في الحروب. وبهذا اجتمع للفرنج جيش قوي قادر على الثبات أمام الجيوش العربية الإسلامية (٣٩).

كان المسلمون يتهيأون للاستيلاء على مدينة تور عندما سمعوا بوصول شارل مارتل وجنده. وقد التقى الجيشان في رمضان ١١٤هـ/ تشرين الأول ٧٣٢ م، وجرت بينهما مناوشات عديدة لمدة سبعة أيام. ثم تحول القتال إلى صدام مروع، رجحت كفة المسلمين في بدايته، لكنهم عجزوا عن اختراق صفوف الفرنجة وحلفائهم من الألمان والسكسون والسويف. يضاف إلى ذلك، أن الفرنجة هاجموا مؤخرة الجيش الإسلامي، مما أدى إلى الاخلال بنظام الجيش. وعندما حاول عبد الرحمن التدخل بشجاعة فائقة لإعادة النظام إلى صفوف جيشه، أصابه سهم من جهة العدو، فخر شهيداً في المعركة.

وقد زاد هذا من إرباك المسلمين، لكنهم استمروا في القتال، وخلصوا مخيمهم في مؤخرة الجيش من أيدي الأعداء، إلى أن أقبل الليل فحجز بين الفريقين. ثم تشاور كبار قادة المسلمين وتوصلوا إلى قرار بالإنسحاب من موقع المعركة. فانتهزوا فرصة الظلام، وتسللوا نحو الجنوب، تاركين خيامهم وغنائمهم التي لم يتمكنوا من حملها معهم.


(٣٨) سالم، تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، ص ١٤٢.
The Chronicle of ٧٥٤, p. ١٥٦ (no. ٥٩) .
(٣٩) The Chronicle of ٧٥٤, p. ١٥٦ (no. ٥٩) .

<<  <   >  >>