فصول الكتاب

<<  <   >  >>

قلت: هذا الخلاف ينبغي أن يُبْنَى على الخلافِ السابق قريبًا، في جوازِ اعتماد الراوي على كتابه وفي ضبطِ ما سمعه؛ فإنَّ ضَبْطَ أصل ِ السماع كضبطِ المسموع، فكما كان الصحيحُ وما عليه أكثرُ أهل ِ الحديث، تجويزَ الاعتماد على الكتاب المصونِ في ضبط المسموع؛ حتى يجوزَ له أن يرويَ ما فيه، وإن كان لا يذكر أحاديثَه حديثًا حديثًا؛ كذلك ليكنْ هذا إذا وُجِدَ شرطُه، وهو أن يكون السماع بخطِّه أو بِخَطِّ من يثق به، والكتابُ مصون بحيث يغلب على الظنِّ سلامةُ ذلك من تطرُّق التزوير والتغيير إليه، على نحو ما سبق ذكره في ذلك. وهذا إذا لم يتشكك فيه وسكنتْ نفسُه إلى صحته، فإن تشكك فيه لم يجز الاعتمادُ عليه. والله أعلم.

الخامس: إذا أراد روايةَ ما سمعه على معناه دون لفظِه، فإن لم يكن عالما عارفًا بالألفاظِ ومقاصدها، خبِيرًا بما يُحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها؛ فلا خلافَ أنه لا يجوزُ له ذلك، وعليه ألا يرويَ ما سمعه إلا على اللفظ الذي سمعه من غير [61 / ظ] تغيير. فأما إذا كان عالمًا عارفًا بذلك؛ فهذا مما اختلف فيه السلفُ وأصحابُ الحديث وأربابُ الفقه والأصول؛ فجوَّزه بعضُ المحدِّثين، وطائفةٌ من الفقهاءِ والأصوليين من الشافعيين وغيرهم. (1) ومنعه بعضُهم في حديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وأجازه في غيره (2).


(1) على هامش (غ): [حكى " ابن بطال " هذين القولين: الجواز والمنع. وزاد أنه يجب مراعاة اللفظ إذا خاف وقوعَ اللبس بغيره، مثل أن يكون معناه غامضًا أو محتملا للتأويل، فلا يغير. فأما إذا كان المعنى ظاهرا فلا بأس].
(2) على ورقة مصلقة بنسخة (غ): [قال الشيخ: ومما وقع في اصطلاح المتأخرين، أنه إذا روى كتاب مصنفٍ بيننا وبينه وسائط، تصرفوا في أسماء الرواة وقلبوها على أنواع، إلى أن يصلوا إلى المصنف، فإذا =

<<  <   >  >>