فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المطلب الثاني: نفاة الرؤية، وأدلتهم ومناقشتها ذهب المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وبعض الزيدية وبعض المرجئة (1) إلى نفي رؤية الله تعالى عيانا في الدنيا والآخرة، وقالوا: باستحالة ذلك عقلا؛ لأنهم يقولون إن البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال، أي ما هو مادي والله تعالى ذات غير مادية، فمن المستحيل إذن أن يقع عليه البصر، فالقول برؤية الله تعالى هدم للتنزيه وتشويه لذات الله وتشبيه له حيث إن الرؤية لا تحصل إلا بانطباع صورة المرئي في الحدقة، ومن شرط ذلك انحصار المرئي في جهة معينة من المكان حتى يمكن اتجاه الحدقة إليه، ومن المعلوم علم اليقين أن الله تعالى ليس بجسم ولا تحده جهة من الجهات ولو جاز أن يرى في الآخرة لجازت رؤيته الآن. فشروط الرؤية لا تتغير في الدنيا والآخرة. قال ابن رشد: "ومن كانت هذه مبادئه فلا يتوقع منه غير هذا إذا كان محترما لها يستنبط منها النتائج المنطقية" (2).

واستدلوا على هذا بالسمع والعقل:

فمن جهة السمع: أولا قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103]، ووجه الدلالة من الآية كما قال عبد الجبار: هو أنه نفى أن يدرك بالأبصار، وقد علمنا أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر، وإذا كان إذا أطلق فقد يستعمل بمعنى اللحوق، فيقال أدرك الغلام إذا بلغ وأدركت الثمرة إذا نضجت، وأدرك فلان فلان إذا لحقه، وقال سبحانه: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [يونس:90] يعني لحقه الغرق، وقال سبحانه: فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: 61] يعني لملحوقون، وقد يقال عند الإطلاق أدركت الحرارة والبرودة وأدركت الصوت، وكل ذلك إنما يصح إذا لم يقرن بالبصر، ومتى قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر، فإذا صح ذلك فيجب أن يكون لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام: 103] في باب الدلالة على أنه لا يرى، بمنزلة قوله لو قال: "لا تراه الأبصار، فثبت أنه نفى عن نفسه إدراك البصر فيتناول جميع الأبصار في جميع الأوقات (3).


(1) ((شرح الطحاوية لعلي بن أبي العز الحنفي)) (29)، ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (1/ 265).
(2) ((مناهج الأدلة)) لابن رشد (81).
(3) ((شرح الأصول الخمسة)) (232). ((المغني)) (4/ 144).

<<  <  ج: ص:  >  >>