للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الأول: رأي المعتزلة في الإحباط]

لقد اختلف المعتزلة في الإحباط على أقوال أهمها ما يلي: الأول: رأي الجمهور منهم الذين يرون أن الإنسان إذا عبد الله طول حياته ثم ارتكب كبيرة من الكبائر، فإنها تبطل جميع أعماله السابقة (١).يقول القاضي عبدالجبار: " ... إن ما يستحقه المرء على الكبيرة من العقاب يحبط ثواب طاعاته ... " (٢).

الثاني: رأي أبي علي الجبائي - من متأخري المعتزلة - الذي يرى أن الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي، وتبقى المعاصي على حالها، فمثلاً من أطاع عشرين مرة، وعصى عشر مرات، يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه، وتبقى معاصيه على حالها، ولو زادت معاصيه على طاعاته، فإنها تذهب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه. الثالث: رأي أبي هاشم - الذي ذهب إلى أن الإحباط يكون من الطرفين، فكما تحيط الطاعات المعاصي؛ كذلك تحبط المعاصي الطاعات، فمثلاً: من أطاع عشراً وعصى عشرين، فإنه تذهب طاعاته بما يقابلها من المعاصي، ولا يبقى عليه سوى الزائد من معاصيه (٣).

يقول القاضي عبدالجبار: " ... لو أتى المكلف بطاعة استحق عليها عشرة أجزاء من الثواب، وبمعصية استحق عليها عشرين جزءاً من العقاب. فمن مذهب أبي علي أنه يحسن من الله تعالى أن يفعل به في كل وقت عشرين جزءاً من العقاب، ولا يثبت لما كان قد استحقه على الطاعة التي أتى بها تأثير بعدما ازداد عقابه عليه. وقال أبو هاشم: لا. بل يقبح من الله تعالى ذلك، ولا يحسن منه أن يفعل به من العقاب إلا عشرة أجزاء، فأما العشرة الأخرى، فإنها تسقط بالثواب الذي قد استحقه على ما أتى به من الطاعة، وهذا هو الصحيح من المذهب، ولعمري إنه القول اللائق بالله تعالى دون ما يقوله أبو علي ... " (٤).من هذا النص؛ يظهر أن القاضي يميل إلى رأي أبي هاشم؛ ولذلك فإنه قام بعرض شبهات أبي علي الجبائي وتفنيدها (٥).

إذاً ليس أمامنا الآن إلا رأي الجمهور القاضي بأن الكبيرة تبطل جميع الأعمال السابقة لها. ورأي أبي هاشم: الذي يتلخص في أن الإحباط يكون من الطرفين، فكما تحبط الطاعات المعاصي؛ كذلك تحبط المعاصي الطاعات. هذا هو رأي المعتزلة في الإحباط.

المصدر:المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٤٩

المطلب الثاني: مناقشة رأي المعتزلة في الإحباط

إن قول المعتزلة بالإحباط باطل، سواء على القول بأن الكبيرة الواحدة تحبط ثواب الطاعات أو على القول بالموازنة كما يرى أبو هاشم ومن معه؛ ولذا فإنهم تعرضوا لردود كثيرة، منها:-أولاً: إن قولهم الذنب الواحد يحبط جميع الطاعات خلاف قوله تعالى: ... إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١٤]. وقوله تعالى: ... مَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢١٧]. فقد أخبر الله تعالى أن إحباط الحسنات؛ إنما يكون بالموت على الكفر، فوجب من هذا أن ما سواه من السيئات تذهبه الحسنات ... (٦).ثانياً: إن الطاعات ثابتة حقائقها صحيح أداؤها، والإصرار على الكبائر لو كان يدرأ ثواب الطاعات، لكان ينافي صحتها؛ كالردة ومفارقة الملة؛ فإنها لما كانت محبطة كانت منافية لصحة العبادات (٧). فدل ذلك على بطلان قولهم: إن الكبيرة الواحدة تحبط جميع الأعمال.


(١) ((المواقف)) (٨/ ٣٠٩).
(٢) ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٦٣٢).
(٣) ((المواقف)) (٨/ ٣٠٩، ٣١٠)، بتصرف.
(٤) ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٦٢٨ - ٦٢٩).
(٥) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٦٢٩، ٦٣٠، ٦٣١).
(٦) ((أصول الدين)) (ص٢٤٤)، بتصرف.
(٧) ((لباب العقول)) (ص٣٩٢ - ٣٩٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>