فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المبحث الأول: منهج المعتزلة في تفسير القرآن الكريم]

بنى المعتزلة -كما ذكرنا - عقيدتهم على أصول خمسة وفي سبيل دعم هذه الأصول وتقويتها حتى تلاقي قبولا بين المسلمين كان لابد من استنادها إلى أدلة من القرآن الكريم وقد كان أصل تأسيسهم لها العقل المجرد عن النصوص وما وافق منهجهم من النصوص فإنما وافقه عرضاً لا قصدا فهم إنما بنوا أصولهم على العقل ثم بعد هذا رجعوا إلى النصوص واختاروا ما يوافقه منها وبقي ما لم يوافقه وهو كثير عقبة كأداء في طريقهم أعدوا له عدتهم واستنفروا له كل العلوم والمعارف فمما لا شك فيه أن الأمر يحتاج إلى جهد كبير حتى يستطيع المعتزلي أن يخضع معاني النصوص القرآنية لآرائه وصرفها عن معارضتها لها وإبطال جميع التفاسير الأخرى لها إذا لم توافق آراءهم حتى ولو كانت أحاديث صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومما لاشك فيه أيضاً أنهم لم يرجعوا في تأويلهم هذا إلى آية أخرى أو سنة نبوية إذ أن هذا يبقيهم في نطاق دائرة النص الأول ولا يلوي العبارة كما يريدون ليها فلم يبق لهم إلا أن يقفوا موقف المضطرب فيكذبون النصوص النبوية الصريحة ويجرحون رواتها بل ويتجاوزون هذا إلى الصحابة الذين سمعوها من الرسول صلى الله عليه وسلم ورووها كما سمعوها وسخروا كل العلوم والمعارف كاللغة والقراءات والبلاغة والنحو غير ذلك لتأويل الآيات المعارضة لأصولهم وحتى تكون على بينة مما نقول نذكر بعض تأويلاتهم هذه لبعض آيات القرآن الكريم حسب أصولهم في العقيدة.

ففي التوحيد:

أولوا الآيات الدالة على إثبات الرؤية كقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 22 - 23] بأن النظر إلى الله تعالى لا يصح لأن النظر هو تقليب العين الصحيحة نحو الشيء طلبا لرؤيته وذلك لا يصح إلا في الأجسام فيجب أن يتأول على ما يصح النظر إليه وهو الثواب كقوله تعالى وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] فأنا تأولناه على أهل القرية لصحة المسألة منهم (1).

وحكى الشريف المرتضى تفسيرا لهم "لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر أو إلى تقدير محذوف ولا يحتاج إلى منازعتهم في أن النظر يحتمل الرؤية أو لا يحتملها وهو أن يحمل قوله تعالى إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 23] على أنه أراد نعمة ربها لأن الآلاء النعم" ويؤيد هذا بقول أعشى بكر بن وائل.

أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحما ولا يخافون إلا

أراد أنه لا يخون نعمه (2).


(1) ((تنزيه القرآن عن المطاعن)) القاضي عبدالجبار بن أحمد (ص 442).
(2) ((أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد)) للشريف المرتضى ت محمد أبو الفضل إبراهيم (ص36 - 37) القسم الأول المجلس الثالث.

<<  <  ج: ص:  >  >>