فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[1 - صفات الله تعالى]

هذه المسألة لم أجد فيما تيسر لي الاطلاع عليه من كتب علماء الفرق بياناً لرأي الخوارج فيها بصفة عامة.

وقد ذكر الشهرستاني عن فرقة الشيبانية قولاً لأبي خالد زياد بن عبد الرحمن الشيباني في صفة العلم لله أنه قال: ((إن الله لم يعلم حتى خلق لنفسه علما، وأن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها)) (417).

وأما بالنسبة لفرقة الإباضية بخصوصهم –فقد تبين من أقوال علمائهم أنهم يقفون منها موقف النفي أو التأويل؛ بحجة الابتعاد عن اعتقاد المشبهة فيها كما تقدم.

وموضوع الصفات والبحث فيها يحتاج إلى دراسة مستقلة، وبالرجوع إلى أي كتاب من كتب السلف يتضح الحق فيها بكل يسر وسهولة.

وأما بالنسبة لما ذكر عن رأي زياد بن عبد الرحمن أو الإباضية؛ فلا شك أنه لا يتفق مع المذهب الحق- مذهب السلف- ولو كان الأمر يخص زياد بن عبد الرحمن وحده لما كان له أدنى أهمية، ولكن الأمر أخطر من ذلك، فقد اعتقدت الجهمية ذلك أيضاً. وبطلان هذا القول ظاهر والتناقض فيه واضح.

فإن صفات الله عز وجل قديمة بقدمه غير مخلوقة، وما يخلق الله من الموجودات فإنما يخلقه عن علم وإرادة؛ إذ يستحيل التوجه إلى الإيجاد مع الجهل، ثم كيف علم الله أنه بغير علم حتى يخلق لنفسه علماً؟ هذا تناقض ظاهر.

لم أجد- فيما اطلعت عليه – من كتب علماء الفرق بياناً لرأي الخوارج في الصفات الإلهية بصفة عامة والصفات الخبرية بصفة خاصة، اللهم إلا ما ذكره الشهرستاني عن رأي فرقة الشيبانية في صفة العلم بقوله: "وينقل عن زياد بن عبد الرحمن الشيباني ابن خالد أنه قال: إن الله تعالى لم يعلم حتى خلق لنفسه علماً، وإن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها" (1).

وبطلان هذا القول ظاهر؛ فصفات الله قديمة بقدمه غير مخلوقة وما يخلق الله من الموجودات إنما يخلقه عن علم وإرادة، فيستحيل التوجيه إلى الإيجاد مع الجهل، ثم كيف علم الله أنه بغير علم حتى يخلق لنفسه علماً؟! هذا تناقض ظاهر.

وأما الإباضية فقد رجعنا إلى كتبهم هم أنفسهم لنرى رأيهم في الصفات الإلهية، فتبين لنا أنهم يقفون منها موقف النفي أو التأويل بحجة الابتعاد عن اعتقاد المشبهة فيها، ويرون أن إثباتها يؤدي إلى التشبيه المذموم الذي حذروه – بزعمهم- بينما هو لم يخطر على بال الصحابة الذين تلقوا تعليمهم الصافي من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم طرياً قبل أن تعرف تلك التعقمات الباطلة والخوض في تلك المهامه المقفرة من علم الكلام. وخلاصة القول ما يذهب إليه الإباضية في هذا المقام هو أنهم يرجعون صفات العلم والقدرة والإرادة .. إلخ تلك الصفات التي أثبتها الله لنفسه، والتي هي صفات كمال، من لم يتصف بها كان فيه من النقص والعيب ما لا يدرك إلا في الجمادات - أرجعوا تلك الصفات، إلى الذات فقالوا: إنه عالم بذاته وقادر بذاته .. وهكذا، كما يقول صاحب كتاب (الأديان) الإباضي: "وقال أهل الاستقامة: إن الله سبحانه عالم بذاته، وقادر بذاته لا بقدرة سواه، وحي بذاته، ومريد بذاته، ومتكلم بذاته، وسميع وبصير بذاته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (2).

وقال أحمد بن النضر وهو من الإباضية أيضاً:

وهو السميع بلا أداة تسمع ... إلا بقدرة قادر وحداني

وهو البصير بغير عين ركبت ... في الرأس بالأجفان واللحظان

جل المهيمن عن مقال مكيف ... أو أن ينال دراكه بمكان

أو أن تحيط به صفات معبر ... أو تعتريه هماهم الوسنان (3)

ويقول السالمي:

أسماؤه وصفات الذات ليس بغير ... الذات بل عينها فافهم ولا تحلا

ولا يحيط به سبحانه بصر ... دنيا وأخرى فدع أقوال من نصلا


(1) ((الملل والنحل)) (1/ 133).
(2) ((الأديان والفرق)) (ص 57).
(3) كتاب ((الدعائم)) (ص 34).

<<  <  ج: ص:  >  >>