فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[3 - الشفاعة]

ينكر معظم الخوارج ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت الشفاعة في أهل المعاصي من أمته، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة والآيات القرآنية. قال ابن حزم: " قال أبو محمد: اختلف الناس في الشفاعة فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج، وكل من تبع أن لا يخرج أحد من النار بعد دخولها " (1).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان موقف الخوارج من الشفاعة: "وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقاً ". ويقول أيضاً: " وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر، لأن الكبائر لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها " (2).ويقول علي بن علي الحنفي شارح الطحاوية: " والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر" (3).ويقول المرداوي: " شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم نوع من السمعيات قد وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوي وانعقد عليها إجماع أهل الحق، قبل ظهور الخوارج الذين ينكرون الشفاعة" (4).وقد ذكر صاحب إحدى الرسائل المخطوطة في الفرق الإسلامية اعتقاد طائفة من الخوارج فقال: "وهم قوم يرون القرآن مخلوقاً وينكرون الميزان والصراط والشفاعة والحوض وعذاب القبر، وقولهم قول المعتزلة" (5).

وقد استند الخوارج في نفيهم الشفاعة إلى آيات من القرآن الكريم أخذوها على ظاهرها، وقصروا معناها على ما يريدون من حكم، غير ملتفتين إلى غيرها من الآيات والأحاديث التي أثبتت الشفاعة، ومن هذه الآيات التي استندوا إليها في نفي الشفاعة: قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48]، وقوله تعالى فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ [الشعراء: 100]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة: 254]، وأمثال هذه الآيات التي يدل ظاهرها على إبطال الشفاعة (6).

أما الشفاعة عند الإباضية فإنهم يثبتونها ولكن لغير العصاة بل للمتقين، وكأن المتقي أحوج إلى الشفاعة من المؤمن المذنب في رأيهم. يقول صاحب كتاب الأديان منهم: " والشفاعة حق للمتقين وليست للعاصين" (7).

وقال السالمي:

وما الشفاعة إلا للتقي كما ... قد قال رب العلا فيها وقد فصلا " (8)

وقد استشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي في مسنده بما رواه عن جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتى"، " يحلف جابر ابن زيد عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة؛ لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر، وما أوعد الله عليه النار".


(1) ((الفصل)) (4/ 63).
(2) ((مجموعة الرسائل والمسائل)) (1/ 10، 11)، ((التوسل والوسيلة)) (ص 131).
(3) ((شرح الطحاوية)) (ص 181).
(4) ((اللآلي البهية)) (ص 94).
(5) ((رسالة في افتراق الفرق الإسلامية)) (ص 299).
(6) انظر: ((الفصل)) (4/ 63)، ((التوسل والوسيلة)) (ص 11)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) ابن تيمية (1/ 116).
(7) كتاب ((الأديان)) (ص 53).
(8) ((غاية المراد)) (ص 9).

<<  <  ج: ص:  >  >>