فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب السابع: تعقيب على آراء الخوارج في أمر العصاة]

إن الاجتراء على تكفير أحد يدعي الإسلام بذنب من الذنوب لا يجوز، إلا إذا جاء بما يدل على كفره بمقتضى الأحكام الشرعية التي يثبت بها كفره في الدنيا وعذابه في الآخرة، وليس للعقل الحكم بكفر أحد بسبب معصية من المعاصي إلا بدلالة شرعية تبين ما يستحق الشخص المسلم بفعله الكفر وما لا يستحق من كتاب الله أو سنة نبيه أو إجماع العلماء عليه.

ونقول: إن الكفر لا يجوز إطلاقه على أحد إلا بحق، لأن الكفر له أحكام خاصة، فتهرق به دماء وتبطل به حقوق، وغير ذلك من أحكام الدنيا، وفي الآخرة قد توعد الله صاحبه بالعذاب الشديد، لهذا فلا يجوز الاجتراء على القول بكفر أحد وتخليده في النار إلا بما وافق الحق.

ولهذا كان لابد من التفرقة الواضحة بين الكفر والفسق، حتى نبطل تكفير الخوارج لأصحاب الذنوب، فالواقع أن دراستنا السابقة لمذهب الخوارج في حكم العصاة وأدلتهم – تدلنا على أنهم خلطوا بين حقيقتي الكفر والفسق، فسموا الفاسق كافر وأثبتوا له أحكامه.

ونحب أن نكشف هنا عن خطئهم في هذا المقام؛ ذلك أن توحيدهم بين الكفر والفسق يكون على أحد وجهين:

1 - إما أن يكون التوحيد بينهما في اللفظ فقط دون إثبات أحكام أحدهما للآخر؛ فيسمون الفسق كفراً أو الفاسق كافرا ولو لم يثبت له شيء من أحكام الكفار، وهذا الوجه لم يقل به الخوارج وهو باطل في نفسه كذلك، لأن الكفر في الشرع قد ورد لمعاصي مخصوصة فلا يسمى كافرا إلا من ارتكبها كالكفر بالله واستحلال محارمه وإنكار ما عرف من دينه بالضرورة، بخلاف الفسق الذي يتمثل في ارتكاب الذنوب الأخرى دون استحلال لها.

وقد مايز الله تعالى بين الكفر والفسق والعصيان بقوله تعالى: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]، فقد فصل الله تعالى بين الكفر والفسق وجعل كل واحد مستقلاً بنفسه والمعطوف غير المعطوف عليه؛ فصار الكفر نوعا والفسق نوعا آخر، والعصيان كذلك، فكرهها جميعا إلى قلوب المؤمنين وحبب إليهم الإيمان. وفي بيان هذه الأنواع يقول محمد بن نصر المروزي: "لما كانت المعاصي بعضها كفر وبعضها ليس بكفر فرق بينهما فجعلهما ثلاثة أنواع: منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرها كلها إلى المؤمنين. ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان، وليس فيها شيء خارجا عنه لم يفرق بينها، فيقول: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات، بل أجمل ذلك فقال: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ، فدخل في ذلك جميع الطاعات" (1) الخ. ويقول الشوكاني في تفسيره الآية: "أي جعل كل ما هو من جنس الفسوق ومن جنس العصيان مكروها عندكم، والعصيان جنس ما يعصى الله به" (2).

2 - وإما أن يكون توحيدهم بين الكفر والفسق لفظا ومعنى وحكما، فيدعون أن أحكام الكفار وأحكام العصاة الفسقة سواء، لا فرق بينهما في الحكم الدنيوي والأخروي.


(1) ((فتح القدير)) (5/ 60).
(2) ((إبانة المناهج في نصيحة الخوارج)) (ص164).

<<  <  ج: ص:  >  >>