للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب التاسع: التفسير الكاشف]

إذا كان التبيان للطوسي - كما رأينا - هو أكثر الكتب اعتدالاً أو أقلها غلواً، فإن عصرنا شهد بعض الكتب في التفسير الشيعي لا تقل عنه اعتدالا، ولا تزيد عنه غلوا. من هذه التفاسير كتابان: أحدهما (التفسير الكاشف) للعالم الجعفري اللبناني المشهور: محمد جواد مغنية، ومظاهر الاعتدال نراها فيما يأتي:

أولاً: في بيانه لمنهجه في التفسير، حيث يقول:

اعتمدت - قبل كل شيء - في تفسير الآية وبيان المراد منها على حديث ثبت في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها ترجمان القرآن، والسبيل إلى معرفة معانيه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر:٧].

فإذا لم يكن حديث من السنة اعتمدت ظاهر الآية، وسياقها، لأن المتكلم الحكيم يعتمد في بيان مراده على ما يفهمه المخاطب من دلالة الظاهر، كما أن المخاطب بدوره يأخذ بهذا الظاهر، حتى يثبت العكس.

وإذا أوردت آية ثانية في معنى الأولى، وكانت أبين وأوضح، ذكرتهما معاً، لغاية التوضيح، لأن مصدر القرآن واحد، ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض.

وإذا تعارض ظاهر اللفظ مع حكم العقل وبداهته، أولت اللفظ بما يتفق مع العقل باعتباره الدليل والحجة على وجوب العمل بالنقل. وإذا تعارض ظاهر اللفظ مع إجماع المسلمين في كل عصر ومصر على مسألة فقهية حملت الظاهر على الإجماع، كقوله تعالى: إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢] (١) حيث دلت " فاكتبوه " على الوجوب، والإجماع قائم على استحباب كتابة الدين، فأحمل الظاهر على الاستحباب دون الوجوب.

أما أقوال المفسرين فلم أتخذ منها حجة قاطعة، ودليلاً مستقلاً، بل مؤيداً ومرجحاً لأحد الوجوه إذا احتمل اللفظ لأكثر من معنى، فلقد بذل المفسرون جهوداً كبرى للكشف عن معاني القرآن وأسراره وإبراز خصائصه وشوارده، وأولوا كتاب الله من العناية ما لم يظفر بمثلها كتاب في أمة من الأمم قديمها أو حديثها. وإن في المفسرين أئمة كباراً في شتى علوم القرآن التي كانت الشغل الشاغل للمسلمين في تاريخهم الطويل، فإذا لم تكن أقوال هؤلاء الأقطاب حجة، كقول المعصوم، فإنها تلقي ضوءاً على المعنى المراد، وتمهد السبيل إلى تفهمه (٢).

ثانياً: في التزامه بهذا المنهج إلى حد كبير: مثال هذا ما ذكره في تفسير الفاتحة عند قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ [الفاتحة:٧] قال: " جاء في بعض الروايات أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، ولكن لفظ الآية عام لا تخصيص فيه، ولا استثناء، فكل مطيع تشمله نعمة الله ورحمته، وكل عاص ضال ومغضوب عليه " (٣).

وعند تفسير الآيات من (١١١ إلى ١١٣) من سورة البقرة، أشار إلى أن اليهود والنصارى يكفر بعضهم بعضاً، ثم وضع عنواناً نصه: " أيضاً المسلمون يكفر بعضهم بعضاً "، وتحت هذا العنوان قال:


(١) (٢٨٢): سورة البقرة، والآية كتبت في ((التفسير الكاشف)) خطأ حيث سقط منها " إلى أجل مسمى "
(٢) (١/ ١٦).
(٣) (١/ ٣٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>