للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المطلب الخامس: النجباء وعددهم ثلاثمائة، وهم في الشام، وتزعم الصوفية أن الأعمال وسؤال الحاجات ترفع إلى الأبدال ثم إلى الأقطاب ثم إلى الأوتاد ثم إلى الغوث الذي يقوم بقضاء الحاجات. والنجباء مشغولون بحمل أثقال الخلق وخاصة التي لا تفي القوة البشرية بحملها (١).

ويزعم أصحاب هذه المعتقدات أن أصحاب هذه الألقاب هم من الأولياء الذين لا تخلو منهم الأرض فهم موجودون في كل زمان وفى كل مكان. ويعتقد هذه المعتقدات كثير عن أصحاب الطرق الصوفية.

فإذا كان الأمر كذلك فمن حد لهؤلاء الأولياء حداً، والولاية ثابتة بالكتاب والسنة، فكيف حصرها الصوفية في هذه الأعداد والتحديد يحتاج لدليل شرعي.

ثم إن هذه الألفاظ والمسميات لم ترد على ألسنة السلف الصالح، والذين ذكروهم من الأوائل كابن تيمية رحمه الله إنما ذكرهم على سبيل الذم والنقد.

وإن زعم زاعم أن الأرض لا تخلو من هؤلاء فلم لم يحدثنا عنهم الرسول محمد صلى الله علية وسلم، وهو الذي لم يترك خيراً إلا دلنا عليه ولا شراً إلا حذرنا منه.

وهل وجودهم مقتصر على أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فان كان مقتصراً عليها فكيف يزعمون أن الأرض لا تخلو منهم؟ وان كانوا فيمن قبله فأين هم في قوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسي عليهم وعلي نبينا أفضل الصلاة والسلام؟ ولمَ لمْ يحدثنا محمد صلى الله عليه وسلم عنهم؟.

وكيف هم في الشام وفتحها جاء متأخراً عن عهد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؟ وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الشام وفضل اليمن وغيرها من البقاع ولم يذكر في فضل الشام وجود هؤلاء الأولياء المزعومين. وكيف ترفع حوائج الناس عن طريق هؤلاء؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ((يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا. إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) (٢).

ويقول تعالي: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:١٨٦].

ثم إن هذه الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقاً في كل زمان، بل يجب القطع بأن هذا على عمومه باطل.

فإن المؤمنين يكثرون تارة ويقلون أخرى، ويقل فيه السابقون المقربون تارة ويكثرون أخرى، وينتقلون في الأمكنة ليس من شرط أولياء الله أهل الإيمان والتقوى، ومن يدخل منهم في السابقين المقربين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة.

وقد بعث الله رسوله بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا أقل من سبعة ثم أقل من أربعين ثم أقل من سبعين ثم أقل من ثلاثمائة، فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد ومن الممتنع أن يكون منهم الكفار، ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين بل من الصديقين السابقين المقربين من لا يحصى عدده إلاّ رب العالمين، لا يحصون ثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف، ولما انقرضت القرون الثلاثة الفاضلة كان أيضاً في القرون الخالية من أولياء الله المتقين بل من السابقين ومن جعل لهم عدداً محصوراً لازماً فهو من الظالمين عمداً أو خطأً ".

المصدر:مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٦ - ٣٨


(١) التعريفات للجرجاني ص٢٣، ٢٣٩.
(٢) رواه البخاري (٢٩٩٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>