للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الثاني: موقف الرفاعي من هذه الكرامات المحكية]

وثمة نقطة مهمة أشير إليها وهي أن الشيخ الرفاعي رحمه الله لم يكن خافيا عليه ما ينسبه المتصوفة إلى مشايخهم وأسيادهم، لذا فإنه لم يكن عجيبا أن يحذر أتباعه مما عهده عن المتصوفة من الكذب على مشايخهم حتى قال: «وأحذر الفرقة التي دأبها تأويل كلمات الأكابر والتفكه بحكايات وما نسب إليهم فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم. وما كان ذلك إلا من عقاب الله للخلق لما جهلوا الحق، فابتلاهم الله بأناس من ذوي الجرأة السفهاء .. وسلط أيضاً أناساً من أهل البدعة والضلالة: فكذبوا على القوم وأكابر الرجال وأدخلوا في كلامهم ما ليس منه. فتبعهم البعض فألحقوا بالأخسرين أعمالا». (١)

هذه شهادة من الرفاعي نفسه تناقلتها كتب الرفاعية من بعده.

ونتساءل: هل التزم الرفاعيون بما حذرهم منه شيخهم وهل احتذوا حذو الصوفية الذين تكلم عنهم الرفاعي رحمه الله؟

فلنذكر الحكايات التي نسبوها إلى شيخهم بالتفصيل وذلك لنتعرف على الجواب:

- كن فيكون: هل تصير لغير الله تعالى؟

الولي المتمكن عند الصوفية يسمى «متصرفا في الأكوان».والتصرف ليس له حد ينتهي إليه لا سيما وإنما الصوفي المتمكن يستطيع أن يحوز على كلمة «كن» التي يخلق الله بها الأشياء. فقد ذكروا أن الشيخ أحمد الرفاعي قال: «جاء في بعض الكتب الإلهية أن الله تعالى قال: «يا بني آدم أطيعوني أطعكم، وراقبوني أراقبكم، وأجعلكم تقولون للشيء: كن فيكون». (٢) وقد نقل عن أحد الصوفية قوله: «تركت قولي للشيء: كن فيكون تأدبا مع الله». (٣).ونقل عن الرفاعي قوله: «وإذا صرف الله تعالى الولي في الكون المطلق: صار أمره بأمر الله تعالى: إذا قال للشيء كن فيكون» (٤)

وصحيح أن الكرامة حق يجب على كل مسلم الإيمان به. أنها لا تبلغ حدا تصل فيه إلى ما لا يجوز في حق غير الله تعالى مثل كلمة «كن» التي يدعون أنها بحوزتهم وفي أيدي مشايخهم.

- الإحياء والإماتة: إحياء الموتى عند الصوفية من علامات التمكن في الولاية، فإنه مما ذكروه عن الشيخ الرفاعي أنه قال: «الولي المتمكن يحيي الموتى بإذن الله». (٥)

ولنذكر قصة من القصص المنسوبة إلى الرفاعي ذكرها الصيادي في العديد من كتبه وفيها: «أن الشيخ الرفاعي خرج مرة مع تلاميذه إلى شاطئ الفرات فقام الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان وسأله: يا سيدي: متى يصل المريد إلى مراده ويصير مرادا ويتصرف في الأكوان؟

فقال الشيخ: حتى يخرج عن نفسه ومألوفات حسه، ويترك جميع الشهوات المباحات وغيرها، ويصرفه الله تعالى في كون وجوده وعوالمه .. وإذا صرفه في الكون المطلق صار أمره بأمر الله تعالى: إذا قال للشيء كن فيكون.

وإذا التفت إلى هذا النهر الجاري وقال لأسماكه: أجيبوا طائعين مطبوخين مشويين: يطلعوا بإذن الله ويطيعوه ولا يخالفون أمره.

وكان في المجلس رجل كبير الشأن يقال له عمر الفاروثي فقال له: يا سيدي هذا الرجل الذي ذكرتموه لم يكن مخلوقا، بل ربا ثانيا!!


(١) ((قلادة الجواهر)) (ص١٤٧)، ((طبقات الشعراني)) (١/ ١٤٢).
(٢) ((جامع كرامات الأولياء)) للنبهاني ٢) / ١٥٨).
(٣) ((قلادة الجواهر)) (٧٣، ١٤٥). ((المعارف المحمدية)) (٤٧ – ٤٨).
(٤) ((إرشاد المسلمين)) ١٢٤) – ١٢٥)، ((روضة الناظرين)) (ص٨٥).
(٥) ((الفجر المنير)) (٥، ١٥ – (١٦، ((قلادة الجواهر)) للصيادي (٧٣، (١٤٥، ((المعارف المحمدية)) ٤٧) – ٤٨)، ((إرشاد المسلمين)) (٨٥ – ٨٦)، ((سواد العينين)) (١٣ – (١٤، ((روضة الناظرين)) (ص٥٨)، ((طبقات الصوفية)) لابن الملقن (٩٩ ط): مكتبة الخانجي ١٩٧٣ القاهرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>