فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المطلب العاشر: البشر عند النقشبنديين ظلال أسماء الله وصفاته ويحكي السرهندي أنه بالوصول إلى العالم العلوي ينتهي إلى امتزاج العدم بالوجود الذي هو منشأ الإمكان ... وبالسير إلى الله تتم دائرة ظلال الأسماء الواجبة ويحصل للسائر الوصول إلى مرتبة الأسماء والصفات، وفي هذا الموطن يتحقق الشروع في حقيقة الفناء. فإن هذه الأسماء هي في الحقيقة كالحجب، ساترة لوجه حضرة الذات تعالت وتقدست (1).ثانيهما: شهود الذات من لباس المظاهر من غير وصف الكثرة بل بنعت الوحدة ويقال لهذا الشهود عند الصوفية شهود الأحدية في الكثرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الشهود بعد البعثة» (2). وقد عبر نقشبندي آخر وهو محمد مصطفى أبو العلا عن هذا الشهود بقوله «فإذا داوم المريد على المراقبة ترقى إلى مرتبة المشاهدة بأن ينكشف له بعين البصيرة أن أنوار وجود وحدة الذات الإلهية محيطة بجميع الأشياء وأنه تعالى متجل بصفاته وأسمائه في مصنوعاته» (3).قال صاحب الرحمة الهابطة: «قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: قد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته». وذكر تندم اللقاني (4) على قتل الحلاج وأن قاتله لو فهم مقصوده من كلامه لما وجد مساغا لقتله (5).بل صرح مشايخهم كالسرهندي وغيره بأن «سائر الموجودات مظاهر الأسماء الإلهية ومرايا شؤوناته وكمالاته الذاتية» وأن هذا العالم إنما هو مظهر لظهور كمالات الأسماء والصفات الإلهية (6). وأن الله كان كنزا مخفيا فأراد أن يعرض نفسه من الخلاء إلى الملاء. وأن أشخاص العالم ظلال الأسماء والصفات حيث يخرج السالك عن أوصافه ويتصف بأوصاف ذلك الظل، وإن حصل للسالك الترقي عن هذا الظل ينصبغ بلونه ويصل إلى الأصل الذي هو اسم من الأسماء الإلهية: وحينئذ تصير القطرة بحرا والحصاة جبلا ... فلما حصل للسالك الفناء والبقاء: صار بحرا وجبلا» وهذا عندهم هو السير للتحلي بأسماء الله وصفاته ويسميه السرهندي «السير الأسمائي والصفاتي» ويحدد هذا السير بأنه «نهاية عروج الأنبياء والأولياء أولا إلى أسماء إلهية هي مبادئ تعينات وجودهم» (7).ويقول عبيد الله أحرار: «كمال الحمد أن يحمده العبد ويعرف أنه لا حامد إلا هو تعالى. وأنه - أي العبد - عدم محض لا رسم له ولا اسم ولا فعل وإنما يبتهج سرورا بكونه تعالى جعله مظهرا لصفاته (8) ... فإنه إذا تجلى الحق على قلبه - أي السالك - بالتجلي القهري يمحو منه الغير والسوا، فلا يبقى فيه إلا هو (9) فلا جرم يسمع في هذا القلب: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار، وسبحاني ما أعظم شأني وأنا الحق وهل في الدارين غيري» (10).

وقد أورد صاحب (الرشحات) تساؤلا أبداه أحد الحاضرين للشيخ سعد الدين النقشبندي ونصه ما يلي «إذا كان لا وجود غير وجود الحق سبحانه الذي هو الوجود المطلق وأن الظاهر في لباس المظاهر واحد: فما معنى مخالفة أهل الإسلام لأهل الكفر ومنازعتهم إياهم؟

أجاب الشيخ: لما كان وجود الحق سبحانه الذي هو الوجود المطلق الذي لا وجود غيره عند محققي الصوفية مقترنا بالتعينات والنسب والاعتبارات ونحوها من النعوت التي تلحقه بواسطة تعلقه بالمظاهر: جرى كل واحد من أفراد الممكنات بمقتضى مبدأ تعينه الذي هو حقيقته فأفضى ذلك إلى نزاع موسى عليه السلام بموسى السامري لاختلاف مبدأ تعينهما. فإذا ارتفعت تلك النسب والاعتبارات بحكم (وإليه يرجع الأمر كله) يرجع موسى إلى الاتفاق كما كانا على ذلك قبل عروض التعين والمراد بموسى الثاني هو السامري، فإن اسمه موسى أيضا فإن أمه ربته بين الجبال فرباه جبريل عليه السلام كما قيل:

إذا الطفل لم يكتب حنينا تخلفت ... ظنون مربيه وخاب المؤمل

فموسى الذي رباه جبريل كافر ... وموسى الذي رباه فرعون مرسل (11). ...


(1) ((مكتوبات الإمام الرباني)) (ص240) وانظر أيضا (ص 242).
(2) ((رشحات عين الحياة)) (ص213) ((نور الهداية والعرفان في سر الرابطة والتوجه وختم الخواجكان)) (ص 41).
(3) ((رسائل القصور)) (مجموعة رسائل الغزالي) بتحقيق محمد مصطفى أبي العلا (4/ 183).
(4) هو إبراهيم اللقاني الملقب بالبرهان وهو صاحب كتاب ((جوهرة التوحيد)) المقرر في التدريس بالأزهر يتغزل بالحلاج ويتندم على قتله. ومع ذلك تعتمد أكبر مرجعية علمية كتبه!
(5) ((الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات وتحقيق الرابطة)) (125 - 126).
(6) ((مكتوبات الإمام الرباني)) (ص 121) وكذلك انظر (ص 42 و43 و326) وانظر ((نور الهداية والعرفان في سر الرابطة والتوجه وختم الخواجكان)) (ص 83).
(7) كتاب ((السبع الأسرار في مدارج الأخيار)) (ص 55) لمحمد معصوم العمري النقشبندي وانظر ((مكتوبات الإمام الرباني)) (ص 198) وانظر (ص 192).
(8) أنظر ((مكتوبات الإمام الرباني)) للسرهندي الفاروقي النقشبندي (ص43).
(9) و «هو» عندهم من أسماء الله الحسنى!!!
(10) ((الأنوار القدسية)) (161 - 162).
(11) ((رشحات عين الحياة)) (ص 213).

<<  <  ج: ص:  >  >>