فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الأول: عقيدتهم في الرسول صلى الله عليه وسلم]

بالإضافة إلى قول الختمية بالنور المحمدي وزعمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو ذلك النور الأزلي الذي سرى في الكون أزلا فكان مصدر وجود الكون وسببه وأن الكون وجد به وله وبسببه، فإنهم أسبغوا عليه صلوات الله عليه من الصفات ما لا يكون إلا لذات الله تعالى، وذهبوا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدرك حقيقته ويعجز الوصف عن بيان ذاته. ويعلق السيد المحجوب على قول ابن مشيش " فلم يدركه سابق ولا لاحق " قائلا: وكيف يدرك من كان خلقه القرآن وذاته من نور ذات الرحمن ومن له كل مراتب الإحسان، ومن هو الحبيب الأكرم، والمخصوص بالتجلي الأعظم، ومن هنا قال بعض العارفين رحمهم الله: لو انكشفت حقيقته صلى الله عليه وسلم للخلق لارتدوا جميعا، إذ من كانت صفاته صفات الرحمن، وذاته من ذات نور المنان، وهو مدرك بالحواس والعيان لا يختلف في معبوديته اثنان، ومن هنا اختلف الناس في الأديان لما ظهر من تجليه تعالى في الجمادات والحيوان، ولكن سبحان الحنان المنان الذي حفظ من شاء من عباده بالدليل والبرهان، وحجز من أحب باليقين والعيان. وإذا كان الأمر كذلك فليس إلى إدراكه من سبيل، بل، ولا إلى شم رائحة السيد النبيل ولكن غاية التحقيق والإدراك أنه سيد المرسلين والأملاك. ثم يستشهد ببعض الأبيات من البردة والتي تعبر عن هذا المعنى وتقول:

أعيا الورى فهم معناه فليس يرى

للقرب والبعد فيه غير منفحم

كالشمس تظهر للعينين من بعد

صغيرة وتكل الطرف من أمم

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته

قوم نيام تسلوا عنه بالحلم

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

وأنه خير خلق الله كلهم

ولا شك أن هذا تصور للرسول مخالف تماما للإسلام وتصوره للأنبياء والرسل، فالأنبياء بما فيهم سيد المرسلين، في نظر القرآن ليسوا آلهة ولا أنصاف آلهة ولا أبناء آلهة، بل هم بشر منَّ الله عليهم بنعمة الوحي واصطفاهم لتبليغ رسالاته للناس: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: 11]. فالإسلام لم يرفع الأنبياء إلى مقام الألوهية فيتجه الناس إليهم بالعبادة أو الاستعانة مع الله كما اعتقد أهل الملل في أنبيائهم، ولم ينزل بهم إلى مستوى السفلة من الناس فنسب إليهم ارتكاب الموبقات كما زعم اليهود الذين حرفوا الكتاب وأخذوا الدين، بل إنهم بشر علم الله طيب معدنهم وحسن استعدادهم فأنزل عليهم، وحيه، اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: 124]، وجعلهم أسوة لأتباعهم وعصمهم من قبائح الذنوب ودنيء الأعمال. ومن ثم لا ينبغي القول بأن حقيقتهم لا تدرك ولا تعرف، فالذات التي لا يدرك كنهها هي ذات الله تعالى الذي يقول عنه القرآن الكريم: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103] والحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، بهذه اللغة وبمثل هذا الأسلوب يلقي بظلال من الشرك على العقيدة ويوحي بخلل في المعتقد.

<<  <  ج: ص:  >  >>