للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الرابع: توهم التعارض بين الأدلة النقلية والعقلية وما يسلكونه من الطرق عندئذ]

المسألة الأولى: سبب توهم التعارض:

هذا السبب يرجع على ما توهموه من إفادة ظاهر الأدلة النقلية للتجسيم والتحيز - وقد نوقشوا فيه

المسألة الثانية: الحكم عند حدوث التعارض المتوهم:

وللرازي قانون كلي في هذا الموضوع آثرت ذكره بحسب مقدماته ثم مناقشته على التفصيل إن شاء الله - فقال في كتابه (أساس التقديس):"الفصل الثاني والثلاثون: في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظاهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟: اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة" (١) ثم ذكرها .... وقبل أن يذكر الاحتمالات الأربعة، يناقش فيما جاء به من مسائل في هذه المقدمة. فلاشك أن هذه المقدمة مبنية على أنه يمكن وقوع التعارض بين الأدلة العقلية والنقلية فجوابه: إنا لا نسلم وقوع تعارض بين البراهين العقلية الصريحة والبراهين النقلية الصحيحة - إذ أنه تنزيل من عزيز حكيم، وقد أتم كلماته صدقاً وعدلاً، فيبقى بعد هذا احتمال التعارض راجعاً إلى توهم غير الصريح من المعقول صريحاً، أو من عدم فهم النص إن كان صحيحاً (٢).وقد ذكر الشاطبي خمسة أوجه تدل على أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول، وسأوردها بشيء من التصرف (٣):-

الأول: إن الأدلة السمعية لو نافت قضايا العقول لم تكن أدلة للعباد لا على الأحكام الإلهية ولا على الأحكام التكليفية، وقد علم باتفاق العقلاء أن الأدلة الشرعية إنما نصبت لتتلقاها عقول المكلفين فيعملوا بمقتضاها، فلو نافتها لما تلقتها فضلاً عن أن تعمل بمقتضاها.

الثاني: إنه لو فرض أن الأدلة الشرعية منافية لقضايا العقول ومعارضة لها لكان الكفار أول من ردها به - وقد علم بالاتفاق أنهم ما وجدوا ما يقدحون به مع شدة حرصهم على الطعن في هذا الدين، وإنما لجأوا إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم واتهامه بأنه ساحر أو مجنون ونحو ذلك - فلما لم يوجد منهم ما يقدح في دلالة الأدلة الشرعية دل على أنهم عقولهم وعرفوا جريانها على مقتضى العقول.

الثالث: إنه لو فرض وقوع التنافي والتعارض بين الأدلة الشرعية وقضايا العقول للزم سقوط التكليف عن جميع الناس - وبيان ذلك: أن الاستقراء دل على أن التكليف يعتبر فيه تمكن العقل من التصديق بالأدلة الصحيحة، ويوضحه أن الشرع لم يلزم تكليف المعتوه والصبي والنائم - لعدم وجود مقتضى التصديق - وهو العقل - ويساويه كذلك لو كانت الأدلة غير صحيحة، فلزوم تكليف العاقل بها كلزوم تكليف غير العاقل بما لا يصدقه أشد من تكليف من لا يتمكن من الحكم بالصدق أو عدمه.

الرابع: إن الأدلة الشرعية لو نافت قضايا العقول لكان الأمر بالتصديق بها تكليفاً بما لا يطاق، إذ العقل لا يصدق ما لم يكن صدقاً وما لا يتصوره، فلما كان ذلك باطلاً لزم ألا تخالف الأدلة الشرعية قضايا العقول.

الخامس: إن الاستقراء دل على أن الأدلة الشرعية جارية على مقتضى العقول بحيث تصدقها العقول الراجحة وتنقاد لها.

وعبارة الرازي المتقدمة تفصح عن حقيقة مذهبه القاضي بتحكيم العقل على الشرع وهذا يناقض ما أطبق عليه الأشاعرة من عدم تحسين العقل وتقبيحه. - وستأتي مناقشة الرازي في كلمته (الظواهر النقلية) عند مسألة التأويل إن شاء الله.


(١) ((أساس التقديس)) (ص: ١٧٢).
(٢) انظر: ((درء التعارض)) (١/ ١٧٣).
(٣) انظر هذه الأوجه في ((الموافقات)) للشاطبي (٣/ ٢٧ - ٢٨). وقد تصرفت في عبارته.

<<  <  ج: ص:  >  >>