للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المطلب السادس: الرد على استدلال المبتدعة بقول الخليل عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] على نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله تعالى.

زعم المبتدعة أن الخليل عليه السلام بقوله: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ استدل على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها؛ لأن كل متحرك محدث ..

ثم نفى صلاحيتها لأن تكون صانعة للعالم بكونها محدثة، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً ..

- وقد تقدم أن مراد المبتدعة من ذلك نفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى؛ لأنها حوادث، وما قامت به الحوادث كان محلاً لها، وما كان محلاً للحوادث فهو حادث، والمحدث لا يصلح أن يكون رباً ..

- فهذا مما أبعدوا فيه النجعة، وجانبوا فيه جادة الصواب ..

ولا يسعفهم في ذلك برهان، لا من اللغة، ولا من واقع الحال ..

- أما من اللغة:

فالأفول باتفاق أهل العلم والتفسير: هو المغيب، والاختفاء، والاحتجاب .. وهذا أمر متواتر ضروري في التفسير واللغة (١).- فلا يعرف في لغة العرب إطلاق الأفول على الحركة والانتقال (٢).

فهذا المعنى لم تعرفه العرب كما هو مبين في كتب ومعاجم اللغة ..

- وكذا لم تعرف العرب أن الأفول هو التغير.

فلا يسمى المتحرك، أو المتغير في اللغة آفلاً ..

- ولا يقال لمن تحرك، أو جاء، أو ذهب، أو صعد، أو نزل، أو أتى إنه آفل ..

- ولا يقال للتغير الذي هو تحول عن حال إلى حال؛ كاستحالة لون الإنسان إلى الاصفرار عند المرض، واستحالة لون الشمس إلى الاصفرار عند تضيفها للغروب: إن ذلك أفول ..

- وإنما المعروف أن الأفول: هو الغياب والاحتجاب ..

وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب ..

- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن استدلال المبتدعة بقول إبراهيم الخليل عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] على حدوث الكواكب بتحركها وتغيرها؛ لأن كل متحرك محدث – بزعمهم – وزعمهم أن الأفول: هو الحركة والتغير: "إن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير.

بل هو خلاف ما علم بالاضطرار من الدين، والنقل المتواتر للغة والتفسير.

فإن الأفوال: هو المغيب.

يقال أفلت الشمس تأفل، وتأفل أفولا: إذا غابت.

ولم يقل أحد قط إنه هو التغير، ولا أن الشمس إذا تغير لونها يقال إنها أفلت، ولا إذا كانت متحركة في السماء يقال إنها أفلت.

ولا أن الريح إذا هبت يقال إنها أفلت.

ولا أن الماء إذا جرى يقال إنه أفل.

ولا أن الشجر إذا تحرك يقال إنه أفل.

ولا أن الآدميين إذا تكلموا، أو مشوا، وعملوا أعمالهم يقال إنهم أفلوا.

بل ولا قال أحد قط إن من مرض، أو اصفر وجهه، أو احمر يقال إنه أفل. فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله، وعلى خليل الله، وعلى كلام الله عز وجل، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، وعلى أمة محمد جميعاً، وعلى جميع أهل اللغة، وعلى جميع من يعرف معاني القرآن" (٣).


(١) انظر: ((بغية المرتاد)) لابن تيمية (ص: ٣٥٩).
(٢) انظر من كتب ابن تيمية: ((منهاج السنة النبوية)) (٢/ ١٩٥). و ((رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل)) (٢/ ٥٠). و ((درء تعارض العقل والنقل)) (١/ ٣١٣، ٣١٤، ٢/ ٢١٦، ٤/ ٧٦ – ٧٧، ٨/ ٣٥٥). و ((شرح حديث النزول)) (ص: ١٦٥، ١٦٦).
(٣) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (٦/ ٢٨٤، ٢٨٥). وانظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) له (٦/ ١٠٩ – ١١٠، ٣١٣، ٣١٤، ٢/ ٢١٦، ٤/ ٧٦، ٧٧، ٨/ ٣٥٥). و ((شرح حديث النزول)) له (ص: ١٦٦). و ((منهاج السنة النبوية)) له (٢/ ١٩٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>