للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الثالث: تحرير محل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة]

وأصل الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة هو:

هل هناك أغراض وغايات باعثة له تعالى على الفعل، فلا يفعل إلا لعلة؟ فالمعتزلة يرون ذلك، تلك الأغراض هي مصالح العباد، أما الأشاعرة فإنهم يمنعون ذلك.

وقد رد الأشاعرة على ما احتج به المعتزلة على إثبات الغرض، وهو قولهم، بأن الفعل الخالي عن الغرض عبث، وأنه قبيح يجب تنزيه الله تعالى عنه، فلابد إذن في فعله من غرض؛ نفيا للعبث ولابد أن يكون الغرض عائدا على غيره إذ لا ينتفع بالغرض، ولا يتضرر بتركه.

رد الأشاعرة عليهم، بأن العبث ما كان خاليا عن الفوائد والمنافع، وأفعاله تعالى محكمة متقنة مشتملة على حكم ومصالح راجعة إلى مخلوقاته، لكنها ليست أسبابا باعثة لفعله، وعللا غائية لفاعليته حتى يلزم استكماله بها، بل تكون غايات ومنافع لأفعاله وآثاراً مترتبة عليها، فلا يلزم أن يكون شيء من أفعاله عبثا.

ثم إن العبث إنما يتصور في حق من تلحقه الفوائد، والله تعالى لا ينتفع بشيء، ولا يتضرر بشيء. فحقيقة العبث لا تتصور في حقه تعالى. وقالوا: إن ما ورد من الآيات والأحاديث الدالة على تعليل أفعاله تعالى بالأغراض، فهو محمول على الحكم والمصالح دون الغرض والعلة الغائية (١).

ولا يخفى أن إثبات حكم ومصالح مترتبة على أفعاله مع نفي أن تكون مقصودة ومطلوبة بالفعل، لا يخفى أن ذلك تكلف من الأشاعرة وتمحل. وقد مثلوا هذه الحكم غير المقصودة بمثال من يغرس غرسا لأجل الثمرة، فإنه يعلم ما يترتب عليه من المنافع من استظلال الناس بها، وانتفاعهم بأغصانها إلى غير ذلك. ولكن الباعث هل على الغرس هو الثمرة لا غير. فكذلك الفوائد والمصالح المترتبة على فعله فإنها بمنزلة ما سوى الثمرة بالنسبة إلى الغارس (٢).

وهذا المثال لا يقره المنصفون؛ ولذا قال الإمام محمد عبده في حاشيته على شرح الجلال الدواني بعد أن قرر أن الفعل لا يسمى حكمة، إلا إذا كان مقصودا من الفاعل؛ لأن ما يترتب على عمل من أعمالك بدون قصد منك إليه لا يعد منك حكمة، بل رمية بغير رام، وأنه لا يقال لمتخبط قتل عقربا بحركات تخبطه أنه حكيم بذلك العمل.

قال معقبا على المثال الآنف الذكر- وهو أن الغارس لم يبعثه على الغرس سوى الثمرة-:

"هذا تمثيل بارد، فإنه قد مثل برجل خسيس الطبع دنيء الهمة، قد قصر كماله على بعض ما يترتب على فعله وهو غافل عن الباقي. ثم قال: فعدم قصده لذلك إما لنقصه في ذاته أو جهله، على أنه قد قصد غاية فنيت فيها الغايات، فعدم قصده لغيرها لما أنه لم يحضره أن الغير مصلحة" (٣).

وأما الحكمة فإنهم يرون أن أفعاله تعالى مشتملة على الحكم والمصالح جوازا، لا لزوما ولا وجوبا. ولكن هذه المصالح مترتبة على الفعل وتابعة له وليست باعثة له تعالى.

المصدر:الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ٦٤

لام التعليل ورأي الأشاعرة فيها

ولما احتج القائلون بالتعليل بورود التعليل في القرآن الكريم مدلولاً عليه بلام التعليل وذلك في مثل قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، أجاب الأشاعرة عن ذلك بأن هذه اللام ليست لام التعليل بل هي لام العاقبة والصيرورة.

فليس المراد أن العبادة باعثة لله تعالى على خلق الجن والإنس، إذ لو كانت كذلك لاقتضى الأمر أن يكون تعالى مستكملا بعبادة الخلق له، ولذلك احتاج إليها فخلق الخلق من أجلها.


(١) الإيجي، ((المواقف)) (٨/ ٢٠٥).
(٢) الجلال الدواني، ((شرح العضدية)) (٢/ ٢٠٧).
(٣) محمد عبده، حاشيته على ((شرح الجلال على العضدية)) (ص: ١٧٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>