للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الثاني: معاني الحسن والقبح، وتحرير محل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة]

يطلق الحسن والقبح على معان ثلاثة:

١ - المعنى الأول: كون الصفة صفة كمال أو نقصان كالعلم والجهل.

فيقال: العلم حسن، بمعنى أنه لمن اتصف به كمال وارتفاع شأن.

ويقال: الجهل قبيح، بمعنى أنه لمن اتصف به نقصان واتضاع حال.

٢ - المعنى الثاني: الملاءمة والمنافرة.

فالحسن على هذا ما لاءم الغرض.

والقبيح ما خالف الغرض.

وما ليس كذلك لم يكن حسنا ولا قبيحا.

وقد يعبر عن الحسن والقبح بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون شيئا منهما.

ويختلف الحسن والقبح بهذا المعنى بالاعتبار، فليس كل منهما صفة حقيقية، وإلا لم يختلفا باختلاف الأحوال، فإن الفعل الواحد قد يكون مصلحة بالنسبة لشخص مفسدة لشخص آخر، كقتل زيد مثلا فإنه مفسدة عند أوليائه ومصلحة لأعدائه.

ولو كان صفة حقيقية ما اختلف حكم هذا الفعل بالنسبة لأعدائه وأوليائه. كما لا تختلف الصفات الحقيقية، فكون الجسم الواحد مثلا أسود وأبيض، فإنه لا يختلف بالنظر إلى شخصين.

والمعنيان الأول والثاني لا نزاع بين علماء الكلام أنهما عقليان يستقل العقل بإدراكهما.

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن القسم الأول – وهو كون الفعل صفة كمال أو نقصان – يرجع إلى القسم الثاني، ويقول في ذلك: "ومن الناس من أثبت قسما ثالثا للحسن والقبح، وادعى الاتفاق عليه، وهو كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص، وهذا القسم لم يذكره عامة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، ولكن ذكره بعض المتأخرين كالرازي، وأخذه عن الفلاسفة. والتحقيق أن هذا القسم لا يخالف الأول؛ فإن الكمال الذي يحصل للإنسان ببعض الأفعال هو يعود إلى الموافقة والمخالفة، وهو اللذة والألم، فالنفس تلتذ بما هو كمال لها، وتتألم بالنقص، فيعود الكمال والنقص إلى الملائم والمنافي (١).

٣ - والمعنى الثالث: كون الفعل يتعلق به المدح أو الذم عاجلا، والثواب والعقاب آجلا كالطاعات والمعاصي. فالحسن على هذا ما تعلق به المدح والثواب في العاجل والآجل. والقبيح ما تعلق به الذم والعقاب في العاجل والآجل، وما لا يتعلق به شيء منهما فهو خارج عن الحسن والقبيح (٢).

والحسن والقبح بهذا المعنى هو محل النزاع بين الأشاعرة ومن وافقهم، والمعتزلة ومن وافقهم:

أ- فالأشاعرة نفوا أن يكون بهذا المعنى عقليا، بمعنى أن العقل يدرك كون الفعل حسنا أو قبيحا؛ لأن الأفعال كلها سواسية ليس شيء منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه، ولا ذمه وعقابه.

وإنما صارت أفعال المكلفين يتعلق بها المدح والثواب، أو الذم والعقاب، بوساطة أمر الشارع ونهيه؛ فما أمر به كان حسنا بمعنى: أن فاعله يمدح ويثاب على فعله، وما نهى عنه كان قبيحا بمعنى: أن فاعله يذم ويعاقب على فعله. ولو عكس الشارع الأمر فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه كان ذلك جائزا. فالحسن والقبح على هذا شرعيان لا عقليان (٣).

ب- أما المعتزلة فقالوا: عن الفعل في نفسه، مع قطع النظر عن الشرع له، جهة محسنة تقتضي استحقاق الفاعل مدحا وثوابا.

أو جهة مقبحة تقتضي استحقاق فاعله ذما وعقابا، والعقل يمكنه إدراك الحسن والقبح في بعض الأشياء بقطع النظر عن ورود الشرع.

ولكن هل العقل عند المعتزلة حاكم مشرع للأحكام؟

نجد هنا لبعض العلماء فهمين متعارضين:


(١) ابن تيمية، ((مجموعة الرسائل الكبرى)) (٢/ ١٠٤).
(٢) الإيجي، ((المواقف)) (٨/ ١٨٢، ١٨٣). و ((الأربعين في أصول الدين)) للرازي (ص: ٢٤٦).
(٣) أبو المعالي الجويني، ((الإرشاد)) (ص: ٢٥٨). و ((شرح مطالع الأنظار على متن طوالع الأنوار)) (ص: ١٩٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>