فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب السادس: هل يجب على الله تعالى شيء؟]

أن المعتزلة بناء منهم على القول بالحسن والقبح العقليين، أوجبوا على الله تعالى أمورا، كالصلاح واللطف.

وأن الأشاعرة والسلف والماتريدية منعوا أن تكون واجبة عليه.

معنى الوجوب

تستعمل كلمة "وجب" في اللغة بمعنى سقط، والواجب بمعنى الساقط، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج: 36] أي سقطت على الأرض.

كما تستعمل بمعنى لزم. قال في القاموس:"وجب يجب وجوبا وجبة لزم، ثم قال: واستوجبه استحقه، والوجيبة الوظيفة، ووجب يجب وجيبة سقط" (1).

ويطلق واجب الوجود على الله تعالى. ونلاحظ أن معاني الوجوب المذكورة تدور حول اللزوم، أي أن الواجب هو اللازم؛ لأن الدابة إذا سقطت مذبوحة فإنها تلزم الأرض.

وكذلك الوجيبة بمعنى الوظيفة فيها معنى اللزوم. أما استوجبه بمعنى استحقه فظاهر فيه معنى اللزوم، أي لزم له هذا الحق، وتعين أداؤه له.

إذا فالوجوب بمعنى اللزوم، والواجب هو اللازم.

المراد بالوجوب في حق الله:

فإذا قيل: يجب على الله تعالى شيء فإما أن يراد بالواجب:

أولا: ما يستحق تاركه الذم.

ثانيا: أو ما يكون تركه مخلا بالحكمة؛ فيكون لازما لاقتضاء الحكمة إياه.

ثالثا: أو هو عبارة عما قدر الله تعالى على نفسه أن يفعله ولا يتركه، وإن كان تركه جائزا.

والتعريف: الأول والثاني ينسبان للمعتزلة، والتعريف الثالث اختيار بعض المتكلمين. هذا ما ذكره الجلال الدواني في معاني الواجب (2). أما الآمدي فقد ذكر معاني الواجب، فقال:

"ثم إن الواجب قد يطلق على الساقط ...

وقد يطلق على ما يلحق بتاركه ضرر ... وقد يطلق على ما يلزم من فرض عدمه المحال" (3).والمقصود بما يلزم من فرض عدمه المحال: هو ما علم الله وقوعه فيقال وقوعه واجب، بمعنى أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلا، وذلك محال فيكون معنى وجوبه أن ضده محال (4).

رأي الأشاعرة في مسألة الوجوب في حق الله:

ذهبت الأشاعرة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه شيء؛ لأنه المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء. وإليك ما قاله الجلال الدواني في إبطال معاني الوجوب الثلاثة في حقه تعالى:

"والأول باطل؛ لأنه تعالى المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء، فلا يتوجه إليه الذم أصلا على ترك فعل من الأفعال، بل هو المحمود في كل أفعاله.

وكذا الثاني؛ لأنا نعلم إجمالا: أن جميع أفعاله تتضمن الحكم والمصالح، ولا يحيط علمنا بحكمته ومصلحته، على أن التزام رعاية الحكمة والمصلحة مما لا يجب عليه تعالى لايسأل عما يفعل وهم يسألون. وكذا الثالث؛ لأنه إن قيل بامتناع صدور خلافة عنه تعالى، فهو ينافي ما صرح به في تعريفه من جواز الترك، وإن لم يقل به فات معنى الوجوب، وحينئذ يكون محصله أن الله تعالى لا يتركه على طريق جري العادة، وذلك ليس من الوجوب في شيء بل يكون إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح" (5).

وبهذا نرى أن الأشاعرة يمنعون وجوب شيء في حقه تعالى عقلا؛ لأنه المالك المتصرف على الإطلاق.

رأي المعتزلة:

أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى القول بوجوب بعض الأفعال على الله، وعدوا ذلك من أمور العدل.


(1) الفيروزأبادي، ((القاموس المحيط)) (1/ 141).
(2) الجلال الدواني: ((شرح العقائد العضدية، المطبوع مع حاشية الكلنبوي)) (ص: 186).
(3) الآمدي، ((غاية المرام)) (ص: 229).
(4) الغزالي، ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 169).
(5) الجلال الدواني، ((شرحه على العقائد العضدية)) (2/ 186 - 189).

<<  <  ج: ص:  >  >>