للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويقول القاضي عبدالجبار في ذلك:"وأما علوم العدل؛ فهو أن يعلم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأنه لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه" (١).

فهم يرون وجوب ما حكم العقل بحسنه على الله تعالى، بمعنى أن تركه نقص يتنزه الله عنه.

وقال متأخرو المعتزلة: إن معنى الوجوب على الله تعالى: "إنه يفعله البتة ولا يتركه، وإن جاز أن يتركه"، فليس كل من الفعل والترك لازما لذاته بحيث يستحيل الطرف الآخر.

وأجيب عن هذا القول من قبل الأشاعرة:"بأن الوجوب على هذا مجرد تسمية؛ إذ يكون محصله: أن الله تعالى لا يتركه على سبيل جري العادة، وذلك ليس من الوجوب في شيء، بل إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح" (٢).

وقال صاحب المسايرة في بيان مراد المعتزلة بالواجب على الله:"واعلم أنهم يريدون بالواجب ما يثبت بتركه نقص بسبب ترك مقتضى قيام الداعي، وهو هنا كمال القدرة والغني مع انتفاء الصارف فترك المذكورة – أي ترك رعاية الأصلح للعباد – مع ذلك بخل يجيب تنزيهه عنه فيجب، أي لا يمكن أن يقع غيره لتعاليه عما لا يليق" (٣).

الرأي الراجح:

لقد سلك كل من المعتزلة والأشاعرة في مسألة الوجوب على الله طريقين كلاهما خطأ، ولم يوفقوا لطريق الحق الذي هو الطريق الوسط، والذي دل عليه الكتاب والسنة، وتوضيح ذلك:

١ - أن المعتزلة أفرطوا في تمجيد العقل، حتى أوجبوا بمقتضاه على الله تعالى أمورا وحرموا عليه أمورا أخرى، ووضعوا لله شريعة التعديل والتجوير، فهم بذلك شبهوا الخالق بالمخلوق.

٢ - أما الأشاعرة فقد أخطأوا في إطلاقهم القول بنفي الوجوب في حقه تعالى؛ فلم ينزهوه عن فعل شيء، بناءً منهم على نفي التحسين والتقبيح العقليين. وقالوا: إن الوجوب لا يتصور في حقه؛ لأنه المالك المتصرف ولا يسأل عما يفعل، ونسوا أنه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته.

٣ - وهنا يأتي دور الفريق الوسط، الذين منعوا أن يوجب العقل على الله تعالى شيئا، ولكن لم يمنعوا أن يوجب الله على نفسه بعض الأمور التي يقتضيها كماله، والتي أخبر أنه أوجبها على نفسه، كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤].وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله لما قضى الخلق كتب على نفسه كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي)) (٤).

هذا، ولا يلزم من كونه تعالى أوجب على نفسه بعض الأمور أن يكون فاعلا بالإيجاب، أي لا اختيار له؛ لأنه سبحانه أوجبه على نفسه باختياره، فإذا شاء الحسن واختاره لم يكن ذلك نافيا للاختيار، فاختياره وإرادته اقتضت التعلق بما كان حسنا، على وجه اللزوم، فكيف لا يكون مختارا!

ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – موقف السلف في مسألة الوجوب على الله، حيث يقول:

"وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية – أي المعتزلة – وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا. ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح" (٥).

المصدر:الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ١٠٦


(١) القاضي عبدالجبار. ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: ١٣٢).
(٢) عبدالحكيم السيالكوتي، حاشيته على ((شرح النسفية)) (٢/ ١٦٠).
(٣) الكمال بن الهمام، ((المسايرة المطبوع مع الشرح)) (ص: ١٤٢، ١٤٣).
(٤) رواه البخاري (٧٤٠٤) , ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة رضي الله.
(٥) ابن تيمية، ((اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم)) (ص٤٠٩،٤١٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>