للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه]

هذه المسألة مبنية على التي قبلها فإن الماتريدية لما قالت بأن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان قالوا بعدم زيادة الإيمان ونقصانه وبنوا ذلك على أن التصديق لا يتصور فيه الزيادة والنقص. قال الحكيم السمرقندي: "وينبغي أن يعلم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأن من يرى الزيادة والنقصان في الإيمان فهو مبتدع والزيادة والنقصان إنما تكون في الأفعال لا في الإيمان ... ولم يقل أحد من العلماء والصالحين إن الإيمان يزيد وينقص" (١).وقال أبو المعين النسفي: " وإذا ثبت أن الإيمان هو التصديق وهو لا يتزايد في نفسه دل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فلا زيادة له بانضمام الطاعات إليه ولا نقصان له بارتكاب المعاصي إذ التصديق في الحالين على ما كان قبلهما " (٢). وإذا تبين لنا مما تقدم بطلان قول الماتريدية في حقيقة الإيمان فإنه تلقائيا يسقط قولهم بنفي زيادة الإيمان ونقصانه وإضافة لهذا فإن زيادة الإيمان ونقصانه ثابتة بنص الكتاب والسنة والإجماع ....... وأما احتجاجهم على نفي زيادة الإيمان ونقصانه بأن التصديق القلبي لا يقبل الزيادة ولا النقصان فهو باطل نقلا وعقلا فقد دل النقل على أن الإيمان القلبي يتفاوت كما في حديث الخروج من النار ... كما لا يشك عاقل في أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتا عظيما وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في التصديق القلبي. قال الإمام النووي رحمه الله: فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ويتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس ولهذا قال البخاري في (صحيحه) قال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم من أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. والله أعلم (٣).

وقد صرح الإيجي في (المواقف) بأن التصديق يقبل الزيادة والنقصان فقال: "والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان بوجهين:

الأول: القوة والضعف. قولكم: الواجب اليقين والتفاوت لاحتمال النقيض. قلنا لا نسلم أن التفاوت لذلك ثم ذلك يقتضي أن يكون إيمان النبي وآحاد الأمة سواء وأنه باطل إجماعا .. الثاني التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال والنصوص دالة على قبوله لهما" (٤).

فلا ريب أن القول الحق في المسألة هو أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي كما هو مذهب سلف الأمة

المصدر:الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٤٦٣ - ٤٦٧


(١) ((سلام الأحكم)) (ص ١٨٩، ١٩٠). وانظر (ص ١٩٣ - ١٩٧).
(٢) ((التمهيد)) (ص ١٠٢)، وانظر ((تبصرة الأدلة)) (ل ٤٧٨)، ((بحر الكلام)) (ص ٤٥ - ٤٧)، ((أصول الدين) للبزدوي (ص١٥٣)، ((شرح العقائد النسفية)) (ص ٥٦ - ٥٩)، ((المسايرة)) (ص ٣٢٥ - ٣٣٠)، ((شرح الفقه الأكبر)) للقاري (ص ٨٧، ٨٨)، ((النكت والفوائد للبقاعي)) (ل ٢٤٧)، ((بيان الاعتقاد)) (ل٤)، ((شرح العقيد الطحاوية)) للميداني (ص ٩٩ - ١٠٣).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) (١/ ١٤٨،١٤٩).
(٤) ((المواقف)) (ص ٣٨٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>