للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من القرشيين فقالوا: يا أبا صفوان، إن أمير المؤمنين الرشيد كان اليوم ببطن مر، وهو يصبحنا فهل لك أن نمضي فنلقاه بفخ أو على العقبة فنسأله، فمضيت معهم. فتلقيناه حين صلى الفجر، فكلمناه وقلنا له: يا أمير المؤمنين، ناس من قومك جعنا وعرينا، فإن رأيت أن تنظر لنا، فترك القوم ورماني ببصره وقال: أنت ممن؟ قلت: من بني عبد مناف. قال: من أيهم؟ قلت: نشدتك الله والرحم أن لا تكشفني عن أكثر من هذا. قال: ويلك، من أي بني عبد مناف؟ فلما رأيت غضبه قلت: يا أمير المؤمنين، رجل من بني أمية. قال: من أي بني أمية؟ قلت: نشدتك الله والرحم أن لا تكشفني عن أكثر من هذا. قال: ويلك من أي بني أمية؟ قلت: من ولد مروان. قال: من أي ولد مروان؟ قلت: من ولد عبد الملك، فرأيت والله الغضب يتردد في وجهه، قال: ومن أي ولد عبد الملك؟ قلت: من ولد سعيد. قال: سعيد الشر؟ قلت: نعم. قال: أنخ. فأنيخت الجمازة، ثم قال: علي بحماد، وهو عامله على مكة. فأقبل بحماد فقال: ويها يا حماد، أُوَلِّيك أمرَ قوم ويكون في ناحيتك مثل هذا ولا تطلعني عليه. فرأيت حمادا ينظر إلي نظر الجمل الصؤول يكاد يأكلني. ثم قال: أثر يا غلام، فأثار الجمازة، ومروا يطردونه، ورجعت وأنا أخزى خلق الله، وأخوفه من حماد، وانقمعت في منزلي. فلما كان جوف الليل أتاني أتٍ، فقال: أجب أمير المؤمنين، فودعت والله وداع الميت، وخرجت وهن ينتفن شعورهن ويلطمن، فأدخلت عليه، فسلمت، فرد علي وقال: حياك الله يا أبا صفوان، يا غلام، احمل مع أبي صفوان خمسة آلاف دينار. فأخذتها وجئت إلى بناتي فصببتها بينهن، فوالله ما تم سرورنا حتى طرق الباب أن أجب أمير المؤمنين. قلت: والله بدا له في، فدخلت عليه، فمد يده إلى كتاب كأنه إصبع فقال: الق حمادا بهذا الكتاب. فأخذته وصرت إلى بناتي فسكنت منهن، ثم أتيت حمادا وهو جالس عند المقام ينظر إلى الفجر، ويتوقع خروج أمير المؤمنين، وكان يغلس بالفجر، فلما نظر إلي كاد يأكلني ببصره. فقلت: أصلح الله الأمير ليفرج روعك، فقد جاءك الله بالأمر على ما تحب، فأخذ الكتاب مني، ومال إلى بعض المصابيح. فقرأه، ثم قال: يا أبا صفوان، تدري ما فيه؟ قلت: لا والله.

قال: اقرأه. فإذا فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، يا حماد، لا تنظر إلى أبي صفوان إلا بالعين التي تنظر بها إلى الأولياء، وأجر عليه في كل شهر ثلاثة

<<  <  ج: ص:  >  >>