للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[صور من ممازحة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه]

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: نشرع في آداب المزاح إن شاء الله تعالى, والمزاح -بضم الميم-: كلام يراد به المباسطة بحيث لا يفضي إلى أذى, فإذا بلغ إلى الإيذاء، فهو السخرية.

والمزاح بكسر الميم مصدر, وقد ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه مزح، وكان يمزح عليه الصلاة السلام, فقد روى الترمذي في كتاب الشمائل المحمدية: باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا ذا الأذنين).

قال أبو أسامة الراوي: أي: يمازحه, وليس المقصود السخرية أو الاستهزاء، وإنما ممازحة منه صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل إنسان له أذنان, وهو حديث صحيح.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير -وهو أخوه لأمه-: يا أبا عمير! ما فعل النغير).

قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: وفِقه هذا الحديث: ١ - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح.

٢ - وفيه: أنه كنَّى غلاماً صغيراً فقال له: (يا أبا عمير).

٣ - وفيه: أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به, وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير ما فعل النغير) لأنه كان له نغير -أي: طائر صغير- يلعب به فمات هذا الطائر، فحزن الغلام عليه، فمازحه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (يا أبا عمير! ما فعل النغير).

هذا الحديث فيه عدة فوائد، حتى قال الشافعي رحمه الله: إنه أمضى ليلة فاستخرج من هذا الحديث ألف فائدة بتوابعها ومتعلقاتها، وإلا فيصعب أن يستخرج منه بدونها ألفاً, لكن بما يمكن أن يترتب على ما يستخرج منه يكون فيه هذا العدد الكبير من الفوائد.

وهذا الحديث -أيضاً- حديث صحيح, وأبو عمير توفي صغيراً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا، قال: (نعم.

غير أني لا أقول إلا حقاً).

وعن أنس بن مالك أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: سأله دابة ليركبها- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني حاملك على ولد ناقة, فقال: يا رسول الله! ما أصنع بولد الناقة, فقال صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق) أي: أن الناقة مهما كبرت فهي بنت ناقة, قد ولدتها أمها من قبل, وهو حديث صحيح.

وعنه أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً , وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى مسكنه في البادية، وإذا جاء هو من البادية أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدايا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن زاهراً باديتنا -أي: نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته- ونحن حاضروه) أي: نحن حاضروا المدينة له, نعطيه ما يستفيد من الحاضرة, وهو يعطينا ما نستفيد من البادية, وكان صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلاً دميماً رضي الله عنه، فهو قبيح الصورة، مليح السريرة، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه -كأنه أتى من البادية بشيء يبيعه في المدينة - فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره, فقال: من هذا؟ أرسلني -اتركني- فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم, فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه- أي: يحاول ويجتهد طيلة الوقت أن يلصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم، لبركته عليه الصلاة والسلام وبركة جسده الشريف- فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يشتري هذا العبد, فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكنك عند الله لست بكاسد) أو قال: (أنت عند الله غالٍ).

وعن الحسن قال: أتت عجوزٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: (يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة, فقال: يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز, قال: فولت تبكي, فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً} [الواقعة:٣٥ - ٣٧]) فجعلناهن عذارى، أعدنا إنشاءهن من جديد حتى تصبح الثيب في الدنيا عذراء يوم القيامة (عرباً) متحببات إلى أزواجهن, (أتراباً) في سن واحدة, وأهل الجنة أعمارهم جميعاً ثلاثة وثلاثين سنة كما جاء في الحديث الصحيح.

إذاً: هذا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح، ولكنه قال: (إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً) للتأكيد, وفي رواية: (إني وإن داعبتكم، فلا أقول إلا حقاً) وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام قال -أيضاً- مبيناً شيئاً مما لا يجوز في المزاح، قال: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً).

وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام قد قال في الحديث الصحيح: (أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً).

إذاً: هذه الأحاديث تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يمزح، وهناك ضوابط مذكورة في هذه الأحاديث تدل على مزاحه عليه الصلاة والسلام, ومشروعية مزاحه عليه الصلاة والسلام.

<<  <  ج: ص:  >  >>