للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأما الثاني: فساقط؛ لأن من استقرأ أحوال الصحابة كاد علمه باتفاقهم على المنع من مخالفته يكون ضروريا.

وأما الثالث: فجوابه أن المعلوم من عادتهم أنهم ما كانوا يقطعون بالمنع من مخالفة الحكم الصادر عن الأمارة إذا لم يعضدهم إجماع.

وأما الرابع والخامس: فساقطان لأن إمام الحرمين لم يلتزمهما وصرَّح بذلك من بعد.

وقد بان بهذا حسن طريقة إمام الحرمين في الاستدلال على الإجماع.)) (١)

وقوله في مسألة خصوص السبب بعد ذكر كلام إمام الحرمين في نقله عن الشافعي أنه يخصص العموم: ((ورد عليه المازري ثم ابن الأبياري بما لا يرضاه لنفسه محقق، وهما شيخان قد بالغا في مخاطبة الإمام، ولو تتبع المتتبع كلماتهما لألفاها منقوضة العُرى منبوذةً بالقرى، ومما يدل على تعصبهما ما ذكراه في مسألة علم الله سبحانه بالجزئيات، وما نسباه إلى إمام الحرمين مما هو بريء منه من غير تأمل كلامه.)) (٢)

٥ - في ردوده على إمام الحرمين يأتي بعبارات لطيفة لا قَسوة فيها: أحيانا قد يضطر التاج السبكي للرد على إمام الحرمين، ولكنه في هذه الحالة يأتي بردود بسيطة ويحاول جهده أن لا تخرج إلى حد الانتقاد الحقيقي الصريح، فمن ذلك قوله في مسألة النقض بعد ذكر كلام لإمام الحرمين مفاده أن الصورة المستثناة لا تكون معقولة المعنى، وأن ما يعقل معناه لا يستثنى، وذكر أمثلة لذلك تحمل العاقلة ومسألة المصراة قال التاج السبكي بعد ذلك: ((وإمام الحرمين أجلّ من أن يصادم كلامه بكلمات أمثالنا، ولكنا نقول على جهة الاستشكال دون المناظرة: مسألة العاقلة معقولة المعنى واتفاق الجاهلية على ذلك قبل ورود الشرع يرشد إلى ذلك، لأن التعبدي لا تهتدي إليه العقول، وإنما يتلقى من الشرع [وبعد أن انتهى من المناقشة قال]: وقد تعرض ابن الأبياري شارح ((البرهان)) لما أوردناه في مسألة العاقلة، والذي نقول أخيرا أن الظاهر أن الحق في جانب إمام الحرمين، ولو عقل في العاقلة معنى المعاونة لعُدّي إلى الجيران ولكان أبعاض الجاني من آبائه وبنيه أولى من بقية العصبات في تحملها مع كونهم لا يتحملونها.)) (٣)

فأنت ترى هنا كيف أن التاج السبكي مع أنه قرر أن كلام إمام الحرمين مشكل إلا أنه لم يرد عليه مباشرة بل ذكر إشكالاً ومع ذلك قرر أخيرا أن الحق في جانب الإمام، وأن أمثاله لا يقدرون على مواجهة الإمام.

ثالثاً: الإمام الرازي:

ذكرت أكثر من مرة أن التاج السبكي أصولي على طريقة الإمام الرازي في الغالب، ويعد هذا أكبر أثر للإمام الرازي في شخصية التاج السبكي، ولو لم يكن له أثر غيره لكفى، لذا كان التاج السبكي يقرر المسائل ويدافع عنها بناء على أدلة وأصول مدرسة الإمام الرازي.


(١) المصدر السابق (٢/ ١٦٨)
(٢) التاج السبكي، رفع الحاجب (٣/ ١٣٢)، قلت: وقد رد عليهما التاج السبكي في مسألة الاسترسال في كتابه طبقات الشافعية (٥/ ١٩٢) فانظرها.
(٣) التاج السبكي، الإبهاج (٣/ ٩٧ - ٩٨)

<<  <   >  >>