للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يجعلونه من وضع الزنادقة، وإن لم يكن للزنادقة به علاقة، وهؤلاء ليسوا أهل تحقيق في الحديث، وإنما هم أهل مجازفة وجراءة على الكلام في الأحاديث والقدح فيها بغير حجة، وقد قلدهم ابن محمود في رد الأحاديث الواردة في المهدي كلها، ولم يفرق بين الثابت منها وغير الثابت، مع أنه كان يذم التقليد، ويقول إن المقلد لا يعد من أهل العلم، فقد حكم على نفسه أنه لا يعد من أهل العلم.

وأما قوله: وصار في كل زمان وفي كل مكان يظهر مخرف ويقول أنا المهدي المنتظر.

فجوابه: أن يقال: إن ظهور المدعين للمهدية كذبًا وزورًا مثل ظهور الدجالين المدعين للنبوة، فكل هؤلاء أهل كذب وزور ولا يصدقهم إلا الجهلة الأغبياء، وأما المهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من أهل بيته، وأنه يلي في آخر الزمان، فحاله مخالفة لأحوال أهل الكذب والزور، فإنه لا يطلب الأمر لنفسه ابتداء مدعيًا أنه المهدي، وإنما يأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم يسميه الناس بعد ذلك بالمهدي لما يرونه من أعماله الصالحة، فقد ثبت أنه يعمل بالسنة، وأن خُلُقه يطابق خُلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأن الأمة تنعم في زمانه نعمة لم ينعموا مثلها.

وأما قوله: ولا يزال علماء السنة في كل مكان يحاربون هذه الدعوى، ويحاربون من تسمى بها؛ لاعتباره من الكذابين الدجالين.

فجوابه: أن يقال: إن علماء السنة وإن كانوا يحاربون كل من ادعى المهدية كذبًا وزورًا فهم مع ذلك يقولون بخروج المهدي في آخر الزمان؛ لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق متعددة، تقدم ذكرها في أول الكتاب (١).

وأما قوله: والحق أن المهدي المنتظر لا صحة له ولا وجود له قطعًا.

فجوابه: أن يقال: ما زعم ابن محمود أنه الحق فهو في الحقيقة خلاف الحق الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله -تعالى-: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}، وقال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}، وقد ذكرت الأحاديث الدالة على نقيض قول ابن محمود في أول الكتاب، فلتراجع (٢).


(١) ص (٩ - ١٧).
(٢) ص (٩ - ١٧).

<<  <   >  >>