فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

من أسرار التوبة

قد ظهر مما تقدم أنه لا وصول إلى الله إلا بالتوبة وأنها لا تخص أحداً دون أحد بل هي طريق الأنبياء وأتباعهم على الحقيقة لعظم حق الرب على عبده واستحالة وفاء العبد به، وهنا يحسن ذكر بعض أسرارها ليزداد الأمر وضوحاً وجلاء.

فقد ذكر ابن القيم منها: أن يُكَمِّل لعبده مراتب الذل والخضوع والإنكسار بين يديه والإفتقار إليه، فإن النفس فيها مضاهاة للربوبية، ولو قَدِرَتْ لقالت كقول فرعون، ولكنه قدر فأظهر، وغيره عَجِز فأضْمر (1).


(1) - وهنا أريد الإشارة إلى عدم استعظام كلام ابن القيم هذا وهو أن النفس فيها مضاهاة للربوبية ولو قَدِرت لقالت كقول فرعون، ولا يستعظم هذا إلا من لا يعرف حقيقة نفسه المعرفة التامة ولا يعرف حقيقة أنفس أكثر الخلق وما تنطوي عليه من الطغيان والكبر، ويكفي لمعرفة صدق كلامه رحمه الله قوله عز وجل عن الإنسان: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) وهذا لا يخرج منه أحد من بني آدم حيث أن الله عز وجل أوجدهم من العدم، والعدم ليس بشيء أصلاً، فما هو إلا فضل الإله ومنته أن يُخرج العبد من ظلمه إلى العدل، وأعدل العدل التوحيد ويعم الدين كله، وأظلم الظلم الشرك، ثم المعاصي كلها ظلم دون الشرك، ويخرجه من جهله بربه وبنفسه وبدينه، والمراد هنا أن الظلم والجهل الذي هو وصف ثابت لأنفسنا لا يصدر منه خير قط كما أنه لا حدّ لشرّه وما قال فرعون مقالته إلا لظلمه العظيم وجهله الفاضح، وإنما كان سلطانه بالقوة لا بالعلم والعدل، ولقد استخف قومه فأطاعوه لاشتراكهم معه في الجهل والظلم والله المستعان.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير