<<  <   >  >>

المبحث الرابع

التماثل في السكون

يقف وراء حدوث هذه الظاهرة الأصل المقرر عند أهل العربية وهو أن الكلمة عندهم لا تبدأ بساكن، ولا يُجْمَعُ بين ساكنين وسطها، وقد انتبه لهذا القانون الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وأَصَّلَهُ سيبويه في الكتاب، فصار أصلا للمدرسة البصرية أن التقاء الساكنين في دَرَجِ الكلام ما كان يكون في النطق العربي (1).

قال سيبويه: " وإذا كان قبل الحرف المتحرك الذي بعده حرف مثله سواء "حرف" ساكن لم يجز أن يسكن، ولكن إن شئت أخفيت، وكان بزنته متحركا" (2). ومعنى ذلك أنه إذا سُبِقَ الصوتُ المُدْغَمُ بساكن صحيح لم يَجُزْ أن يُسَكَّنَ المدغم - يعني أنه لا يصلح أن يكون محل إدغام - وإنما يجوز أن يَخْفِيَ المتكلمُ الحركةَ على الاخْتِلاس. وهذا الأصل الذي قرره سيبويه هو الذي صار عليه نَحْوِيُّو البَصْرَةِ، والكثير من غيرهم، في مناقشتهم للقراءات التي يجتمع فيها ساكنان، منطوقان على مذهب القراء (3).

ولم يُجِزْ سيبويه (4) أن يجتمع ساكنان ويُنْطَق بهما كما هما إلا في حالتين:

1 - حالة الوقف، نحو: بَكْرْ، وعَمْرْو. وهي في أواخر الكلمات لا محالة.

2 - وحين يكون الساكن الثاني مدغماً مسبوقاً بحرف مَدٍّ، نحو: دَابَّةٍ وشَابَّةٍ. وظَاهِرُهُ أن هذه الحالة تقع في حَشْوِ الكلام.

وحجتهم في اسْتِسَاغَةِ الجمع بين الساكنين آخر الكلمة يتمثل في أن "الوقف سَدَّ مَسَدَّ الحركة؛ لأن الوقف على الحرف يُمَكِّنُ جَرْسَ ذلك الحرف ويُوَفِّرُ الصوتَ عليه فيصير توفير الصوت بمنزلة الحركة له" (5).


(1) انظر: الكتاب لسيبويه: 2/ 58، 75، 77، 83، والمقتضب: 1/ 41، والخصائص: 1/ 241، وشرح الشافية: 2/ 307، وشرح المفصل لابن يعيش: 1/ 493 - 495.
(2) الكتاب: 2/ 407.
(3) انظر: أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي لعبد الصبور شاهين: 394.
(4) انظر: الكتاب لسيبويه: 4/ 173. وشرح المفصل لابن يعيش: 1/ 493 - 495.
(5) شرح المفصل لابن يعيش: 1/ 494.

<<  <   >  >>