للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال بعض المفسرين: «أقسم الله تعالى بالعصر لما فيه من الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء, والصحة والسقم, والغنى والفقر, ولأن العمر لا يقوم بشيء نفاسة وغلاء, فلو ضيعت ألف سنة فيما لا يعني ثم تبت وثبتت لك السعادة في اللحمة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد, فعلمت أن أشراف الأشياء حياتك في تلك الملحمة, فكان الزمان من جملة أصول النعم, فلذلك أقسم الله به, ونبه سبحانه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها الإنسان، وأن الزمان أشرف من المكان فأقسم به؛ لكون الزمان نعمة خالصة لا عيب فيها, إنما الخاسر المعيب هو الإنسان» (١) ا. هـ

(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة و الفراغ.

فدل هذا الحديث الشريف على أن الفراغ نعمة عظيمة من الله عز وجل, وأن كثيرا من الناس مغبون في هذه النعمة, وسبب ذلك الغبن يرجع إلى أحد ثلاثة أمور:

(١) أنه لم يستغل هذا الفراغ على أكمل وجه, وذلك بأن يكون قد شغل فراغه بأمر مفضول مع أنه كان بإمكانه أن يشغله بأمر أفضل.

(٢) أنه لم يشغل هذا الوقت بشيء من الأعمال الفاضلة التي تعود عليه بالنفع في دينه ودنياه, وإنما شغله بأمور مباحة لا أجر فيها ولا ثواب.

(٣) أنه شغله بأمر محرم والعياذ بالله , وهذا أشد الثلاثة غبنا, فهو ضيع على نفسه فرصة استغلال الوقت بما يعود عليه بالنفع, ولم يكتف بذلك بل شغل وقته بما يكون سببا لتعرضه لعقوبة الله عز وجل في الدنيا والآخرة!

[*] • قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا، حتى يكون مكفيا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على ألاّ يغبن، بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك، فهو المغبون" [فتح الباري: (١١/ ٢٣٠)

[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:

(نعمتان) تثنية نعمة، وهي الحالة الحسنة، أو النفع المفعول على وجه الإحسان للغير. وزاد في رواية " من نعم اللّه "

(مغبون فيهما) بالسكون والتحريك قال الجوهري: في البيع بالسكون وفي الراوي بالتحريك، فيصح كل في الخبر. إذ من لا يستعملهما فيما ينبغي فقد غبن ولم يحمد رأيه


(١) التفسير الكبير للرازي (٣٢/ ٨٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>