تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <  ج: ص:  >  >>

[هكذا كان حال الصحابة]

الملاحظ أن السمة العامة للصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم كانوا في حالة انتباه ويقظة، وليس أدل على ذلك من سرعة إذعانهم واستجابتهم لربهم ولرسوله، فهذا حنظلة يسمع منادي الجهاد وقد كان في هذا الوقت في فراشه مع زوجته، فماذا فعل؟!

سارع يلبي النداء دون أن يفكر في أي شيء آخر ... حتى الغسل لم يفكر فيه ... والتحق مع المسلمين في أُحُد واستشُهِد، وعندما أراد الصحابة دفنه وجدوا بدنه يقطر ماء فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة قد غسلته، بعد أن عرف من زوجته الحالة التي خرج بها.

ترى ما الذي دفع حنظلة لفعل ذلك؟!

ألم يكن من الأولى أن يجهز نفسه أولاً و .... ثم يخرج بعد ذلك؟! لكنه سارع بالخروج انطلاقًا من حالة اليقظة القلبية التي كان يعيشها حتى وإن كان في أشد لحظات الاستمتاع بالدنيا.

وفي يوم من الأيام كان أنس بن مالك يسقي أبا طلحة وغيره خمرًا إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ فقال: حُرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس.

قال أنس: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل (1).

ألم يكن من الطبيعي أن يستوثقوا من الخبر بأن يذهبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيعرفوا طبيعة الأمر وحقيقة التحريم قبل أن يتخذوا أي إجراء؟!

لم يفعلوا ذلك، بل دفعتهم شدة حساسيتهم الإيمانية، وورعهم ويقظتهم إلى ما فعلوه.

وعن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنه صلى صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت.

ويقول عمارة بن أوس رضي الله عنه: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ونحن ركوع إذا نادى مناد بالباب: إن القبلة قد حوِّلت إلى الكعبة؛ قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان وهم ركوع نحو الكعبة (2).

أرأيت -أخي- كيف استجاب هؤلاء الأخيار بهذه السرعة لكلمة سمعوها وهم راكعون؟! مع العلم بأنهم لو كانوا قد أكملوا صلاتهم على وضعهم الأول لما لامهم أحد؟

* * *

[مستهدف التربية الإيمانية]

الهدف القريب الذي ينبغي أن تحققه التربية الإيمانية هو زيادة الإيمان في القلب حتى يعلو على الهوى، أو بمعنى آخر: زيادة الإيمان في القلب بالدرجة التي توقظه من غفلته وتجعله في حالة من اليقظة والانتباه، ومظاهر هذه الحال قد ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأله الصحابة عن علامات دخول النور القلب فقال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» (3).

هذا هو الهدف القريب الذي إن تحقق فعلينا ألا نقف عنده ونكتفي به، بل علينا أن نسعى لتحقيق الهدف البعيد وهو تمكين وهيمنة الإيمان على القلب حتى تتحرر إرادته ويصبح قلبًا سليمًا يستقبل الأحداث ويتعامل مع مستجدات الحياة بدوافع إيمانية "وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [التغابن: 11]، فكل ما يصيبه حينئذ يجد له تفسيرًا «ومعاملة إيمانية» كما قال صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر وكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (4).


(1) صحيح البخاري (4251).
(2) تفسير القرآن العظيم 1/ 168.
(3) رواه الحاكم والبيهقي في الزهد.
(4) رواه مسلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير