تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[التكامل التربوي]

عقل المسلم بحاجة إلى تغذيته بالمعرفة النافعة حتى يكتمل نموه، وتتفتح نوافذه، وتتسع مداركه.

وقلبه بحاجة إلى إيمان متجدد حتى يستضيء، وينفتح ويصبح قلبا سليما.

ونفسه بحاجة، إلى ترويض وتزكية حتى يسلس قيادها وارتداؤها رداء العبودية لله عز وجل.

أما حركة المسلم فهي بحاجة إلى توجيه مستمر حتى يكون له أثر نافع في الحياة، وحتى يحقق -من خلال ذلك الأثر- مراد ربه من وجوده كمسلم يحمل طوق النجاة للبشرية جمعاء.

هذه الأمور الأربعة لا يكفي لتحقيقها اهتمام لحظي، أو إمداد عابر، بل لا بد من دوام الإمداد والرعاية حتى يظهر الأثر المطلوب.

* فالعقل بحاجة إلى دوام التغذية بالعلم النافع الذي يُعَرِّفه بربه، ويعرفه بأوامره ونواهيه، وما يرضيه وما يغضبه، ويعرفه كذلك بكيفية تحقيق مراده سبحانه بنشر دينه، وإسعاد خلقه بالإسلام، وما يستدعيه ذلك من أن يكون عالما بزمانه، فاهما لدينه، مدركًا لأحوال المخاطبين، وبيئاتهم المختلفة.

ويلحق بالعلم النافع معرفة كل ما من شأنه أن يُيَسر على المسلم أداء حقوق العبودية لله عز وجل.

مع الأخذ في الاعتبار ضرورة استمرار تغذية العقل بهذه المعارف إن أردنا تحقيق مستهدف «التربية المعرفية».

وعندما يغذي المرء عقله بمعلومات عشوائية يسمعها في (فضائية)، أو يقرؤها من خلال تصفحه للشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، أو بقراءته بضع صفحات من كتاب .. فالغالب أن هذا كله لن يُحدِث الأثر الذي تحدثنا عنه، بل سيكون أثره لحظيا، ناهيك عن نوعية ما يقرأ، ومدى قربه أو بعده عن مفهوم العلم النافع.

أما إذا أردنا أثرًا تربويا حقيقيًا للعلم النافع فلابد من الاستذكار والمدارسة، والصبر على الكتاب حتى نهايته، مع استخراج الجديد والمفيد منه.

إحسان العمل أولاً:

أما بخصوص القلب: فلكي يتنور، ويصبح قلبًا سليما لابد من دوام إمداده بالإيمان حتى تتحرر إرادته من أسر الهوى، ومن ثم يسهل على صاحبه اتخاذ القرار بالعمل الصالح في أي وقت، وأي اتجاه.

وليس المطلوب لتحقيق مستهدف «التربية الإيمانية» هو الإكثار من الأوراد والأعمال الصالحة فقط دون النظر إلى كيفية أدائها والأثر الناتج عنها، بل المطلوب هو الاجتهاد في حضور القلب وتحركه وانفعال المشاعر وتأثرها وتجاوبها مع العمل، فأوقات التأثر هي أوقات زيادة الإيمان "الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا" [الأنفال: 2].

والتأثر «عنوان» حركة القلب والمشاعر مع العمل، وهو يختلف باختلافها، ففي الدعاء يسمي تضرعا، وفي الصلاة خشوعا، ومع آيات الوعيد: خوفًا ورهبةً، ومع آيات الوعد والرجاء: فرحا واستبشارًا وهكذا ... وعندما لا يحدث التأثر والانفعال مع العمل فهذا معناه أن القلب لم يستفد منه بزيادة الإيمان فيه، وهذا قد يفسر لنا سبب التناقض في شخصية البعض ممن تراه محافظا على الصلوات، ومكثرا من النوافل والأوراد ومع ذلك فهو لا يتورع عن الكذب، أو الغش، وقد تراه يحرص على المال ويسيء معاملة من حوله.

فالتشخيص الصحيح لهذه الحالة أن أثر الأعمال الصالحة لم يصل للقلب، ولم يزد الإيمان فيه، ومن ثم لم يثمر تحسنا في السلوك، لذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع» (1).

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساهٍ (2).

ويقول ابن رجب: كان السلف يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الإكثار منه، فإن العمل القليل مع التحسين والإتقان أفضل من الكثير مع الغفلة وعدم الإتقان. وقال بعضهم: إن الرجلين ليقومان في الصف، وما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض (3).


(1) رواه أبو داود (1546).
(2) الزهد لابن المبارك برقم (927).
(3) مجموع رسائل ابن رجب 1/ 352.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير