تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <  ج: ص:  >  >>

السؤال السابع

[التعمق في التدبر]

- تدبر القرآن يجعلني أقف كثيرًا عند كل كلمة وكل آية، مما يجعلني لا أتجاوز بضع آيات في لقائي بالقرآن، وهذا الأمر يسبب لي ضيقًا في نفسي، وشعورًا بصعوبة الأمر.

فماذا أفعل؟!

الجواب:

غاية التدبر هو إدراك المعنى الذي ترمي إليه الآية، والتدبر وحده لا يكفي لإنشاء وإنبات وزيادة الإيمان في القلب، وإلا لقرأنا القرآن بدون ترتيل، وبأعيننا فقط مثلما نقرأ في أي كتاب، ولكن لأن غاية التلاوة هي الفهم والتأثر، كانت الوسيلة هي التدبر والترتيل، مع الأخذ في الاعتبار بأن التأثر الذي يولِّد الإيمان لابد وأن يمر من بوابة الفهم كما قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:198، 199].

ولكن الوصول لدرجة التأثر يستدعي استمرارية القراءة، والسماح للآيات بأن تنساب داخل القلب، ويتصاعد تأثيرها شيئًا فشيئًا، فيستمر الطرق على المشاعر حتى تصل لدرجة التجاوب والتأثر، وهذا يستلزم عدم التوقف عند كل كلمة وإلا لما حدث التأثر.

علينا - إذًا- أن نقرأ الآيات ونفهم ما تدل عليه بصورة إجمالية، وأن نمرر ما لا نفهمه من آيات حتى يتسنى لنا بلوغ مرحلة التأثر, التي يحتاج الوصول إليها كثرة مرور الآيات على المشاعر، ودوام الطرق عليها .. وهذا ما أوصى به صلى الله عليه وسلم عندما رأى بعض الصحابة يختلفون فيما بينهم في معنى آية من الآيات فقال لهم: «إن القرآن لم ينزل يُكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه» (1).

وقال عبد الله بن مسعود: إن للقرآن منارًا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما يشبه - أو قال شُبّه عليكم - فكلوه إلى عالمه (2).

انتبه:

وفي المقابل فإننا حين نقف عند كل كلمة ونحاول سبر أغوارها، والغوص في معانيها فإننا بلا شك سنفهم فهمًا عميقًا، ولكن دون تأثر، ولن نتجاوز في القراءة بضع آيات ولن نشعر من خلال القراءة بحلاوة الإيمان، ومن ثمَّ يؤدي ذلك بنا إلى الفتور والضيق بل والاستجابة لإلحاح النفس - ومن ورائها الشيطان - بالعودة إلى الطريقة القديمة التي تبحث عن الانتهاء من قراءة أكبر قدر ممكن دون تدبر ولا تأثر.

إذًا فالمطلوب تدبر عام وإجمالي للآيات، وألا نقف عند كل كلمة لا نعرف معناها، بل نعمل على إدراك المعنى العام من السياق حتى يستمر انسياب الآيات داخلنا ويتصاعد تأثيرها شيئًا فشيئًا على المشاعر فيحدث التأثر.

ماذا أفعل إن لم أتأثر؟:

فإن قلت: ولكني قد أقوم بذلك ولا أتأثر بالآيات، فهل أقوم بإعادة الآيات التي لم أتأثر بها؟!

التأثر هو رقة القلب، وانفعال المشاعر مع القراءة، وهو نادر الحدوث في البداية لابتعاد القلوب مدة طويلة عن القرآن، لذلك علينا أن نصبر ولا نمل، ولا نقوم بإعادة ما لم نتأثر به، بل نسترسل في القراءة، ونلتزم بالوسائل النبوية المشار إليها سلفًا مع دعاء الله بأن يفتح قلوبنا لغيث القرآن.


(1) رواه الإمام أحمد وابن ماجه.
(2) فضائل القرآن لأبي عبيد, ص (99).

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير