تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <  ج: ص:  >  >>

وليس معنى هذا هو الاعتكاف التام عن الناس طيلة الشهر، ولكن المقصد هو تخفيف الجرعة، وهذا يستدعي منا إنهاء ما يمكن إنهاؤه من واجبات اجتماعية وخدمية قبل قدوم رمضان أو بعد رحيله، والإقلال قدر المستطاع من الزيارات العائلية، والإفطارات المجمعة، وكيف لا وشهر رمضان (أيامًا معدودات) سرعان ما تنقضي.

لقد كان صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل عام العشر الأواخر من رمضان، وفي العام الذي تُوفي فيه اعتكف عشرين يومًا .. أي ثلثي الشهر، فماذا نقول بعد ذلك وأي حجة سنسوقها كي نبرر لأنفسنا عدم التركيز في العبادة وتحصيل الزاد من خلال منظومة العبادات في شهر رمضان؟!

ولئن كانت الظروف المحيطة ببعض الأفراد تستدعي منهم كثرة الحركة وبذل الجهد مع الآخرين في هذا الشهر؛ فإن التخطيط الجيد لتنفيذ الأعمال الدعوية والاجتماعية، والمساعدات الخيرية، والحرص الشديد على الوقت وتنظيمه يساعد بإذن الله على تحقيق ذلك دون الإخلال ببرنامج الاستفادة الحقيقية من رمضان، وبهذا نجمع الخيرين.

[البنا يؤكد]

إليك أسوق - أخي القارئ - كلمة للإمام المجدد حسن البنا - رحمه الله - والتي كانت جزءًا من درسه الأسبوعي المعروف بـ (حديث الثلاثاء) يؤكد فيها على هذا المعنى فيقول:

أيها الأخوة الفضلاء: أحييكم بتحية الإسلام، تحية من عند الله مباركة طيبة، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:

في هذه الليلة التي تجاوز ختام شعبان نختم هذه السلسلة من الأحاديث حول نظرات في القرآن - كتاب الله تبارك وتعالى - وإن شاء الله في العشر الأول من شوال نعود إليها، ونستفتح بذلك موسمًا جديدًا من مواسم المحاضرات، وسيكون موضوعها إن شاء الله (نظرات في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي).

هذا أيها الإخوان ورمضان شهر شعور وروحانية وتوجُّه إلى الله، وأنا أحفظ فيما حفظت أن السلف الصالح كانوا إذا أقبل رمضان ودَّع بعضهم بعضًا حتى يلتقوا في صلاة العيد، وكان شعورهم: هذا شهر العبادة وشهر الصيام والقيام، فنريد أن نخلو فيه لربنا، والحقيقة أيها الإخوان، إني حاولت أن أوجد فرصة نقضي فيها حديث الثلاثاء في رمضان فلم أجد الوقت الملائم، فإذا كنا قد قضينا معظم العام في نظرات في القرآن فأنا أحب أن نقضي رمضان في تطبيق هذه النظرات ..

أيها الإخوة الفضلاء:

لقد تحدثنا طويلًا عن عاطفة الحب والتآخي التي ألف الله بها بين قلوبنا، والتي كان من أبرز آثارها هذا الاجتماع على الله، وإذا كنا سنُحرم هذا اللقاء أربعة أسابيع أو أكثر فليس معنى هذا أن تخمد العاطفة أو تخبو، أو ننسى أبدًا ما كانت تفيض به قلوبنا ومشاعرنا في هذا المجلس الطيب من أسمى معاني العزة والتآخي في الله، بل أنا أعتقد أنها ستظل متمثلة ومشتعلة في نفوسنا حتى نحظى بلقاء كريم بعد هذه الإجازة إن شاء الله، فإذا جاء أحدكم يصلي العشاء ليلة الأربعاء لي رجاء أن يدعو لإخوانه بالخير، فلا تنسوا هذا، ثم أحب أن تتذكروا أننا إذا كانت عاطفتنا ستتعطّش إلى هذا اللقاء خلال هذه الأسابيع، فأحب أن تعلموا بأنها ستروى من معين أفضل وأكمل وأعلى، وهو الاتصال بالله تبارك وتعالى، وهو خير ما يتمناه مؤمن لنفسه في الدنيا والآخرة ... ) (1).

وفي الختام نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بهذا الشهر الكريم وأن نكون ممن غفر لهم وأعتقهم من النار، والحمد لله رب العالمين.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


(1) مقالات الإسلاميين في رمضان لمحمد موسى الشريف نقلًا عن حديث الثلاثاء لحسن البنا (خواطر حول شهر الصيام)

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير