تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال: «نزل القرآن بالحُزْن، فما قُرئ القرآن بشيء أفضل من الحُزْن» (1).

وكان عمر بن الخطاب يدعو أبا موسى الأشعري في المسجد فيقول له: يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ لهم بصوت حزين (2).

ومن نصائح حذيفة بن اليمان: اقرأوا القرآن بحُزْن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلا (3).

[الفهم الإجمالي للآيات]

وذلك من خلال إعمال العقل في تفهم الخطاب، وهذا يستلزم منا التركيز التام مع القراءة.

واعلم - أخي- أنه لا يمكن الانتفاع بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان وإحداث التغيير بدون هذه الخطوة ..

فلا بديل عن تدبر الآيات وفهم الخطاب الإلهي، والحد الأدنى المطلوب من كل مسلم هو الفهم الإجمالي للآيات، فإذا ما شرد الذهن وتجول في ميادين الدنيا وقت القراءة، فعلينا أن نعود مرة أخرى لقراءة تلك الآيات التي شردنا فيها، حتى يرى الله منا حرصا على تفهم خطابه، فيُفهَّمه لنا، ويصرف عنا الشيطان ..

وليس معنى إعمال العقل في تفهم الخطاب أن نقف عند كل كلمة ونتكلف في معرفة معناها وما وراءها، بل يكفي المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآية حتى يتسنى لنا الاسترسال في القراءة ومن ثمَّ التصاعد التدريجي لحركة المشاعر فتصل إلى التأثر والانفعال في أسرع وقت.

ولا بأس من وجود تفسير مختصر بجوارنا لجلاء شبهة أو معرفة معنى دقَّ علينا فهمه، وإن كان من الأفضل الرجوع إليه بعد انتهاء القراءة حتى لا نخرج من جو القرآن والانفعالات الوجدانية التي نعيش في رحابها إلا إذا ألحت علينا كلمة نريد معرفة معناها في التو واللحظة (4).

[التعامل مع القرآن على أنك المخاطب به]

هناك حلاوة كبيرة يجدها المتدبر للقرآن حين يتعامل مع الآيات على أنها تخاطبه، فعلى سبيل المثال: عندما يقرأ. {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا}، {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ}، {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .. ويتعامل معها على أنها خطاب من الله إليه، فإن استقباله لها سيختلف كثيرًا، وسينعكس ذلك على طريقة تعامله مع القرآن، وقبل ذلك مع ربه، وسيزداد شعوره بالدفء والسكينة كلما التقى بالقرآن .. وأنقل لك أخي القارئ تجربة محمد إقبال في هذا الشأن.

يقول أبو الحسن الندوي: لقد كانت قراءة محمد إقبال للقرآن قراءة تختلف عن قراءة الناس، ولهذه القراءة الخاصة فضل كبير في تذوقه للقرآن، واستطعامه إياه.

وقد حكى قصته لقراءة القرآن، قال: «قد كنت تعمدت أن أقرأ القرآن بعد صلاة الصبح كل يوم، وكان أبي يراني، فيسألني: ماذا أصنع؟ فأجيبه: أقرأ القرآن، وظل على ذلك ثلاث سنوات متتاليات يسألني سؤاله، فأجيبه جوابي، وذات يوم قلت له: ما بالك يا أبي! تسألني نفس السؤال وأجيبك جوابًا واحدًا، ثم لا يمنعك ذلك عن إعادة السؤال من غدٍ؟ فقال: إنما أردت أن أقول لك: يا ولدي؛ اقرأ القرآن كأنما نُزَّل عليك. ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه، فكان من أنواره ما اقتبست، ومن درره ما نظمت» (5).


(1) رواه الطبراني في الأوسط.
(2) لمحات الأنوار للغافقي 1/ 456 برقم (567).
(3) المصدر السابق برقم (566).
(4) من المقترح القراءة في المصحف الذي يوجد على هامشه معاني الكلمات أو استصحاب كتاب «كلمات القرآن تفسير وبيان» لمحمد حسنين مخلوف.
(5) روائع إقبال لأبي الحسن الندوي/ 38، 39 - دار القلم - دمشق.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير