تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <  ج: ص:  >  >>

بين العبادة والعبودية (1)

لو تأملنا في معاني العبودية لله عز وجل من تعظيم ومهابة، وذل وانكسار، وحب ورجاء، وخشية وإجلال، لوجدنا أنها عبارة عن مشاعر ووجدانات، ولأن القلب هو الذي تجتمع فيه مشاعر الإنسان ووجداناته فالعبودية إذن محلها القلب، وبالتالي فإن أكثر الناس عبودية لله عز وجل هو أعظمهم تعبيدا لقلبه، وتوجيهاً لمشاعره نحوه سبحانه حتى يصير حبه أحب الأشياء إليه، وخشيته أخوف الأشياء عنده ... {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165].

ومع كون العبودية محلها القلب إلا أن آثارها قد تظهر على الجوارح، فالإخلاص عبادة قلبية تظهرها الجوارح على صورة إخفاء الأعمال، والهرب من مواطن الشهرة، وعدم تزكية النفس أو المباهاة بها ...

والتواضع عبادة قلبية تظهر آثارها على أفعال صاحبها بخفض الجناح للمؤمنين، والمشي على الأرض هونا، وعدم الاستنكاف من الجلوس مع الفقراء والمساكين ...

[العبودية لا تتغير]

منذ بدء الخليقة وهبوط آدم - عليه السلام - على الأرض، وحتى قيام الساعة فإن المطلوب من الإنسان في كل زمان ومكان أن يكون عبداً لله عز وجل.

هذه هي الوظيفة التي خُلق جميع البشر من أجل القيام بها مدة وجودهم على الأرض وذلك من سن البلوغ حتى نهاية الأجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:21].

المطلوب من الجميع أن يتجه بمشاعره نحو الله ... أن يحبه ويخافه ويتذلل إليه ويهابه ويجله ويتقيه .. .

هذه العبودية المطلوبة من البشر جميعا تحتاج بلا شك إلى مظاهر تظهرها، وأعمال بالجوارح تُعبر عنها ... من هنا كانت الشرائع السماوية التي تحدد للناس أشكال الأعمال التي ينبغي عليهم أن يقوموا بها إظهاراً لعبوديتهم لله عز وجل.


(1) اتفق العلماء على أن هناك عبادات محلها القلب من حب وخوف ورجاء وتوبة وإخلاص .. وعبادات محلها الجوارح كالصلاة والصيام والذكر والحج.
وقد أدرج بعضهم القسمين تحت مسمى العبادة، وإن كانوا قد فرقوا بينهما بعد ذلك فسموهما: عبادة القلب، وعبادة الجوارح، أو أعمال القلب وأعمال الجوارح، والبعض الآخر أدرج عبادات القلب تحت مسمى (العبودية)، وعبادات الجوارح تحت مسمى (العبادة).
والملاحظ أن جوهر التقسيم واحد وإن اختلفت المسميات، ونحن في هذا الكتاب نتبنى الرأي الثاني.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير