<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فماذا كان رد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه هذا الخبر؟!

يقول المباركفوري: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة، فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم نهض يقول: «الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره» (1).

إجابة مفاجئة للجميع .. كيف يكون التبشير بالنصر في ظل هذا الموقف العصيب؟!

أتدري لماذا كانت هذه الإجابة؟!

لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أنه طالما كانت الأبواب الأرضية مفتوحة أمام الناس، فإنها قد تكون سببًا في إضعاف التوكل على الله والاستنصار المطلق به، فإذا ما أغلقت جميع الأبواب، واستنفدت جميع الأسباب، لم يكن أمام القلوب المؤمنة إلا أن تتجه بكليتها إلى الباب الأعظم .. الباب الذي لا يغلق .. باب القادر المقتدر، فتنطرح أمامه موقنة بأنه وحده الذي سينجيها، ويكفيها، وينصرها، فيحدث - تبعًا لذلك - الزلزال الذي يهدم أي تصور عن إمكانية إحراز النصر من خلال باب آخر .. عند ذلك تنفتح أبواب السماء، ويأتي الفرج من حيث لا يحتسب أحد .. ويكفيك في هذا قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110].

فعندما يتم اليأس التام والمطلق من الأسباب في كونها تستطيع بذاتها أن تجلب لنا النفع أو تدفع عنا الضر، عندئذ يأتي الفرج والنصر والمدد.

ويؤكد على هذا المعنى الحافظ ابن رجب فيقول:

«ومن لطائف أسرار اقتران الفرج باشتداد الكرب، أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وُجدَ الإياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده، ومن انقطع عن التعلق بالخلائق وتعلق بالخالق؛ استجاب الله له» (2).

* * *


(1) الرحيق المختوم ص 348، 349 - مؤسسة علوم القرآن - بيروت.
(2) مجموع رسائل الحافظ ابن رجب 3/ 173 - الفاروق الحديثة - القاهرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>