تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <  ج: ص:  >  >>

[الخليفة الخامس]

عندما تولى عمر بن عبد العزيز إمارة المؤمنين عزم أن يسير بالأمة بسيرة الخلفاء الراشدين، ويعيدها إلى ما كانت عليه، وذلك بعد سنوات طويلة من انقضاء تلك الخلافة الراشدة، وما حدث بعدها من بعض الانحرافات، والمظالم التي أبعدت الأمة عن النهج القويم.

لقد عزم عمر على هذا ولا يملك سوى هذا العزم الصادق، فالأجواء المحيطة به لم تكن لتشجعه على هذا، وأعوانه لم يكونوا آنذاك كأعوان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي- رضي الله عنهم أجمعين-، لكنه صدق في عزمه، وأرسل رسالة إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يطلب منه أن يرسل له كل ما عنده من سيرة جده عمر بن الخطاب من أقضية وسنن حتى يسير على هديه، فكان مما كتبه له: «أما بعد، فإن الله عز وجل ابتلاني بما ابتلاني به من ولاية أمر المسلمين عن غير مشورة مني ولا طلب، فأسأل الله الذي ابتلاني بهذا الأمر أن يعينني عليه، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث لي بكتب عمر بن الخطاب، وأقضيته وسيرته، فإني عازم على أن أتبع سيرته، وأسير على نهجه إن أعانني الله على ذلك، والسلام».

فأرسل إليه سالم بن عبد الله برسالة تؤكد له المعني الذي تتحدث عنه هذه الصفحات، بأن الأمر وإن بدا صعبا إلا أن صدق العزم يذلل جميع الصعاب وكيف لا والذي يحرك كل شيء هو الله، والله يريد منا صدق العزم ليحقق لنا ما نريد، حسبما تقتضيه حكمته وعلمه المحيط جل شأنه.

يقول سالم في رسالته لعمر:

«أما بعد، فقد جاءني كتابك الذي تذكر فيه أن الله عز وجل ابتلاك بإمرة المسلمين من غير طلب منك ولا مشورة، وأنك تريد أن تسير بسيرة عمر، فلا يَفُتْك أنك في زمان غير زمان عمر، وأنه ليس في رجالك من يماثل رجال عمر، ولكن اعلم أنك إن نويت الحق وأردته، أعانك الله عليه، وأتاح لك عمالا يقومون لك به، وأتاك بهم من حيث لا تحتسب، فإن عون الله للعبد على قدر نيته، فمن تمت نيته في الخير تم عون الله له، ومن قصرت نيته نقص من عون الله له بقدر نقص نيته» (1).

ولقد كان عمر بن العزيز صادقا فيما ادعى، وكان عزمه أكيداً، فماذا حدث؟

لقد أعاد الله عز وجل به الأمة إلى ما كانت عليه في السابق حتى سماه العلماء والمؤرخون «الخليفة الخامس» .. كل ذلك حدث في زمن قياسي في نحو سنتين .. فماذا تقول بعد ذلك؟!

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم

[قصة الطالب والمسألتين]

ينقل لنا د. توفيق الواعي في كتابه «الإيمان وإيقاظ القوي الخفية» قصة عجيبة تؤكد المعني الذي نتحدث عنه من أن العزيمة الأكيدة هي مفتاح الوصول للمعالي .. يقول:

هناك قصة لشاب غفا أثناء حصة الرياضيات، واستيقظ على صوت جرس انتهاء الحصة، ونظر إلى السبورة وقام بكتابة المسألتين الموجودتين فوقها، وقد افترض أنهما الواجب المدرسي لهذا اليوم، فعاد إلى البيت وأخذ يجتهد طيلة النهار والليل لحلهما. .. لم يستطع الشاب حل أي منهما، إلا أنه واصل المحاولة بقية الأسبوع، وفي نهاية الأمر، استطاع حل إحداها وذهب بها إلى الفصل، فلما رآها المدرس أصيب بالذهول فقد اتضح أن المسألة التي قام بحلها كان المفترض عدم وجود حلًّ لها (2)، وكان المدرس قد كتبها على السبورة من باب تعريف الطلاب ببعض المسائل التي لم يتوصل أحد إلى حلها.

دواؤك فيك وما تُبصر ... وداؤك منك وما تشعر

وتزعم أنك جِرْم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر

* * *


(1) صور إيمانية من حياة الصحابة والتابعين لمصطفي أبو المعاطي 1/ 224، 225، زهرة المدائن - المنصورة- نقلاً عن طبقات ابن سعد.
(2) الإيمان وإيقاظ القوي الخفية د. توفيق الواعي ص 48 - دار البحوث العلمية- الكويت.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير